تستثمر في الثورة وتبحث عن المكاسب والثراء والرفاهية كما يبحث غيرها عنها في الخارج، ففتحت الباب على مصراعيه، لكل القوى المنحرفة في الخارج كي يصيب فسادها قوىً عسكرية في الداخل كان لها صولات وجولات. بل أن بعضها ممن برع في السلوك البراغماتي ويعمل تحت سقف النظام الدولي، وطبقا لمواصفاته، فضل، كعادته، الاكتفاء بضخ الأموال في الدعاية والإعلان والتصوير وشراء الولاءات وتخزين الأسلحة عوضا عن تزويد الثوار بها ناهيك عن الامتناع عن خوض المعارك أو تقديم العون والنصرة لمن يخوضها ويقدم دماءه رخيصة في سبيل هذه الأمة وعزتها.
هكذا تشعبت قضايا الثورة، ولم تعد موضوعاتها المركزية واضحة، خاصة بعد أن تخلل الثورة الأذى من كل جانب، وغدت لدى الكثيرين مجرد استثمار رأسمالي مربح، فصارت الثورة تخسر حينا في حين يحاول الخصوم جميعا أن يجنوا ما استطاعوا من المرابح ليس من جيوبهم بل من رصيد الثورة وما توفره من سلع قابلة للتجارة عند ضعاف النفوس .. ومع ذلك فالاستمرار والجدوى لا يتحققان بدون لحظات تمايز قاسية لا بد منها لتنقية المسارات. ومع دخول الثورة عامها الثالث كان لا بد من معاينة إجمالي الحصيلة خاصة في ضوء المتغيرات التي استجدت في الشهور الثلاثة الأخيرة. ففي هذه المدة القصيرة ثمة الكثير من الملفات الشائكة التي تستدعي التوقف عندها، وسنفعل ذلك في جزئي هذه المقالة.
كانت اللحظة التي اختيرت فيها الطائفة النصيرية من قوى الانتداب الفرنسي والبريطاني أمينةً على سوريا هي ذات اللحظة التي مُنِعَ بموجبها السوريون من الحرية. فبدون مصادرة حرية السوريين كان من شبه المستحيل تأمين النظام الدولي الذي بنته القوى الاستعمارية العالمية على أنقاض العالم الإسلامي. لذا فإن سوريا الطائفية لم تكن مصادفة بقدر ما كانت صاحبة وظيفة محددة تضطلع بمهمة احتواء كل حركات التحرر والتمرد والاحتجاج التي من الطبيعي أن تظهر ردا على تفكيك العالم الإسلامي وهدم نظام الخلافة. وحتى اليوم لم تتبدل هذه الوظيفة أو تتغير حتى يمكن القول أن الطائفة استُهلكت أو استنفذت أسباب تَصدُّرها الحكم في سوريا. وحتى اللحظة ما زالت الطائفة تحظى بامتياز دولي يجعل من سوريا مربطا دوليا آمنا للنظام القائم منذ مائة سنة مضت. لذا فإنْ قلنا أنه ثمة حل سياسي فهذا يعني أنه ثمة بديل، ولأنه لا بديل عن الطائفة فإنه ما من حل إلا بها. ولأنها عاجزة عن الانفراد في حكم سوريا، بسبب إرثها الدموي وما يجري اليوم، فهي إذن لا تزال موضع امتياز، لكنها بحاجة إلى إعادة تأهيل أو إسناد طائفي من الطوائف والأقليات الأخرى. وعليه فقد سبق وقلنا أن الحل المقترح لدى «المركز» هو إقامة سلطة طوائف على شاكلة لبنان. وهذا ليس تحليلا بقدر ما هو منطوق «المركز» نفسه!!!
وهنا لا بد من ملاحظة أن الحديث عن تقسيم سوريا أو توصيف المنطقة الممتدة على طول الساحل السوري بكونها مشروع تقسيم أو نواة لإقامة دولة علوية متصلة مع إيران والعراق ولبنان هو أمر بعيد عن الواقع. والأرجح