فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 207

ثانيا: الأداء السياسي والعسكري للثورة

لم تكن منظومة «سايكس - بيكو» لتسمح ببناء أي شكل من أشكال القيادات في الدول والمجتمعات العربية، لا على مستوى الأفراد، ولا على مستوى الجماعات السياسية والاجتماعية، ولا على مستوى منظمات المجتمع المدني. وتبعا لذلك ظلت الدول والمجتمعات تعاني من غياب كلي للقيادات مما سهل على النظم السياسية الإفلات التام نت أية مراقبة سياسية أو اجتماعية. وما أن انتصرت الثورات، في مراحلها الأولى، حتى وجدت نفسها كالأيتام على موائد اللئام. هذا ما حصل للثورات في اليمن وليبيا وتونس ومصر، ويحصل الآن في سوريا.

فبدلا من أن ترجع القوى السياسية إلى الشعب الذي حملها من الشوارع والمنافي وأجلسها على كراسي السلطة، وتستمد قوتها منه ذهبت إلى البيت الأبيض لتثبيت ما تعتقد أنها شرعية لا تكتمل أو تستمر ما لم تحصل على رضى «المركز» . وبدا الأمر في سوريا عجيبا حين تعاملت القوى السياسية مع الثورة كما لو أنها أزمة سياسية تعصف بالنظام. والحقيقة أن بنية المعارضة السياسية التي حطمها النظام الطائفي مبكرا، ودمر مدنا للتخلص منها، ثم طاردها بأحكام الإعدام، جعلها أقرب ما تكون إلى المعارضة «اللقيطة» وهي تنحصر في صيغة أفراد أو أحزاب أو مسميات هلامية ومستحدثة ليس لها أية مواقع على الأرض. فكان من الطبيعي أن تدخل في صراعات بينية أو تبحث عن أغطية دولية أو حتى تستعمل المال لشراء المواقف والولاءات وصناعة الذات في الوقت الذي تسفك فيه الدماء وتنتهك فيه الأعراض وتدمر فيه البلاد. وصار من الطبيعي أكثر أن تبدو الثورة في واد والمعارضة السياسية في واد آخر.

أما على المستوى العسكري فقد أبى السوريون، في محاولة منهم لاستعطاف الرأي العام الدولي واستدراج «المركز» ، إلا أن يتعاملوا مع النظام باعتباره «نظاما أمنيا أسديا» مع أنهم في الواقع يخوضون حربا طائفية من جهة النظام، وبرعاية دولية تاريخية. لذا شدد الناشطون الذين ظهروا في الواجهات الإعلامية على الانحياز إلى سلمية الثورة رغم اختيار النظام للقتل من اللحظات الأولى لها. وفي البداية لجأ النظام إلى قواته الأمنية وميليشياته المعروفة باسم «الشبيحة» . ولأنه لا يملك أية فرصة في المصالحة أو الإصلاح، وبسبب تزايد أعداد المنشقين من الجنود والضباط وتمرد الريف، فقد صعد من حربه وأدخل أسلحته الثقيلة من الدبابات والمدافع والصواريخ مبتدئا بمدينة درعا. ومع اتساع دائرة الاحتجاجات الشعبية إلى مئات البؤر الاجتماعية في مدن درعا وإدلب والرقة وحماة وحمص وريف دمشق وصولا إلى مدن الساحل لاسيما اللاذقية، وكذا الإعلان عن تشكيل «لواء الضباط الأحرار» و «الجيش الحر» ، بدأت الثورة تميل إلى الطابع العسكري.

هنا بالضبط حدثت الانعطافة عبر الانتقال من الحالة المدنية إلى الحالة العسكرية، وهي حالة لا مثيل لها في تجارب الثورات السابقة حيث تكون البداية، في العادة، بمجموعة منظمة ذات أيديولوجية معينة، تعلن الكفاح المسلح ثم تتوسع تدريجيا إلى أن تصبح ثورة شعبية مسلحة لها قواعدها الاجتماعية وتشكيلاتها العسكرية وقياداتها وهياكلها السياسية والإعلامية ومناصروها. لكن في الحالة السورية جاء الأمر معاكسا تماما. ففي كل مدينة وقرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت