وحي وشارع وزاوية ثمة مجموعة من النشطاء المدنيين حملوا السلاح دون أن تكون لهم أية مؤهلات أو خبرات أو تجارب أو هياكل أو مؤسسات أو قيادات أو انتماءات حزبية أو أيديولوجية .. وصار حال الثورة كحال عذراء أرغمت على الزواج قبل أن تبلغ الحيض!!!
كل هؤلاء اتخذوا من «الجيش الحر» راية لهم. ولأن «الجيش الحر» نفسه ليس تنظيما أو حزبا أو حركة أو جماعة متجانسة فقد تحول إلى «راية شعبية» يمكن أن ينضوي تحتها كل المجتمع السوري: المدني والعسكري، والوطني والإسلامي، والملحد والمؤمن، والقبلي والمدني، والحزبي والمستقل، والصادق والكاذب، والصالح والفاسد، والمجنون والعاقل، والمنضبط والفوضوي، والشاب والعجوز، والشيخ والمخمور، واللص والأمين، والانتهازي والمسؤول ... فكيف يمكن ضبط هؤلاء وقيادتهم وتوجيههم لاسيما أنهم يشكلون نحو 90% من «الجيش الحر» مقابل 10% من العسكريين؟
هذا المشهد الفريد للثورة السورية استعصى على الفهم والقيادة والإدارة وحتى الاختراق. فكل تشكيل فيها زعم أنه صاحب فضل أو قيادة، وله صولاته وجولاته مع النظام، وكل بضعة عشرات أو أقل شكلوا كتيبة أو جماعة أو حتى لواء!! وصار له قراءاته وشعاراته وتفسيراته لما يجري في سوريا، وله استراتيجياته وتكتيكاته في التعامل مع النظام أو المجتمع أو النظام الدولي .. وكي نتلمس الحجم الفعلي للمشهد على الأرض يمكن أن نستعين بالثورة الليبية للمقارنة. ففي ليبيا لا يزيد عدد السكان فيها عن ستة ملايين في مساحة تصل إلى 1.8 مليون كم مربع مقابل 24 مليون في سورية، وبمساحة لا تزيد عن عُشْر مساحة ليبيا. فإذا كانت الإحصاءات في ليبيا تقول أن فيها 1700 مليشيا؛ فكم سيكون عددها في سوريا؟ وإذا كانت مدينة صغيرة مثل مصراتة تؤوي 250 ميليشيا فكم ستؤوي مدينة بحجم حمص أو حلب أو دمشق؟
واضح أننا إزاء آلاف المجموعات المسلحة. ولا ريب أن مشهد المعارضة السورية في الداخل أو في الخارج يعكس إلى حد كبير واقع الثورة، وكذا حالة العسكرة الشعبية التي اجتاحت المجتمع السوري. أما الطريف في المشهد فكان من نصيب المراقبين والمحللين والدارسين والمتخصصين وفي مقدمتهم أجهزة الأمن العالمية التي أيقنت أنها واقعة في ورطة لا سابق لها في كيفية التعامل مع مثل هذه الحالة غير المسبوقة. ففي حين تتلهف أجهزة الأمن على المعلومة باعتبارها الهدف الأول لها إلا أن الواقع السوري يؤكد أنه ما من حقيقة يمكن الثقة بها، لا من جهة المعارضة ولا من جهة المجموعات المسلحة، وتبعا لذلك فما من موقف يمكن تمريره بسلاسة لا من الغرب ولا من الشرق. وحتى النظام الطائفي فشل في التعامل مع الثورة، واضطر إلى إخلاء الكثير من مناطقه في المدن والريف، ولم يعد ثمة وجود آمن للسلطة إلا في مناطق شبه مغلقة.
ولا ريب أن هذه الوضعية تمثل نقطة قوة جبارة للثورة السورية. إذ سيكون من الصعوبة على أجهزة الأمن الدولية تقييم الثورة والوقوف على نقاط الضعف والقوة والتأثير فيها ما لم تتوفر لها المعلومات اللازمة. وستكون مغامرة محفوفة بالعواقب والمخاطرة إذا ما ركنت الولايات المتحدة إلى معلومات عملائها في المعارضة أو مَن هُم