فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 207

والعسكرية، إنْ حصلت فعلا أو مبدئيا، من جهة أو جهات بعينها. وهو ما يعني أن خطوط إمدادها التقليدية ستنقطع بحيث تصبح تحت رحمة القوى الدولية. أما أولئك الذين سيمتنعون عن الانضواء تحت سلطة هذه المجالس، ومن بينهم أولئك الذين تصفهم صحيفة «الواشنطن تايمز - 7/ 11/2012» بـ «السيئين» ، أي الذين يعارضون السياسات الأمريكية أو يحملون الفكر الإسلامي فضلا عن القوى الجهادية المنظمة، فسيتعرضون بدورهم لحصار خانق وحملات تشويه إعلامية وربما حرب استئصالية ضدهم حتى قبل إسقاط الأسد. لكن ماذا عن حال المعارضة السياسية؟ هل سيكون أفضل من قرينتها العسكرية؟ لنرى.

لم تكن قوى المعارضة السياسية السورية وتشكيلاتها في الداخل أو في الخارج سوى عملية تلفيق سياسي لأطروحات لا تجتمع حتى على رابط الإطاحة بالنظام الطائفي. وبينما كانت وقائع الثورة تتقدم بثبات في المدن والأرياف السورية وتدفع ثمنا باهظا في الأرواح والممتلكات والأعراض كانت القوى السياسية تخوض جدالات بيزنطية حول هوية النظام: هل هو طائفي أم أمني؟ وهل يجب خلعه أم التصالح معه؟ وحول الثورة: هل هي سلمية أم سلمية؟ (أي بمعنى رفض العسكرة) ، وحول هوية البلاد وتاريخها وحضارتها، وحول مكاسب القوى ومطالبها وشروط المشاركة في الثورة، وحول هوية الحاكم القادم ومعايير الوصول إلى السلطة وتقلد المناصب، وحول التدخل الأجنبي أو الحماية الدولية أو الحظر الجوي، وحول وحول وحول إلى أن صارت بلا حول ولا قوة ... وبلغ التخبط مداه، حتى صار الناشط قائد وثائر ومثقف وعسكري وشيخ وسياسي وتاجر ومحلل ومتسلق ومتملق وتاجر ومتعهد ومفاوض ومساوم. لماذا هذا التخبط؟

لأن المعارضة في سوريا وخارجها هي معارضة برسم الفرد وليس برسم الجماعة أو الفئة أو الشريحة أو الحزب أو الجماعة، بعد أن فككها النظام وطاردها في الداخل والخارج ومزقها شر ممزق. وبالتالي ليس هناك ما يجمع بينها إلا حرب النظام عليها أكثر من حربها على النظام!!! فبعضها أعلن معاداته للنظام، وبعضها الآخر عتب عليه، وثالث وسَّط حتى شياطين الأرض للتصالح معه، ورابع تعايش مع النظام، وخامس غلبته الأيديولوجيات الدوغمائية كالشيوعية والقومية وما أفرزتهما من مفاهيم الصمود والتصدي أو الممانعة والمقاومة ... أما الخوف من بطش النظام فقد فرقها ولامس رعبه لها شغاف قلوبها إلى أن صمتت عن الكلام المباح حتى في منافيها ومناماتها. ولا شك أن معارضة تجمع فيما بين ثناياها المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والشريدة والطريدة والكسيرة والحسيرة والماكرة والمتسلقة وما طارد الضبع وجرح الفهد وأكل السبع والتقم الحوت لا يمكن أن تترك متنفسا لأهل الخير منها ولا أن تقدم لثورة ما عجزت هي أن تقدمه لنفسها، وهي تراهن على الشرق والغرب أو تتقاذفها القوى الدولية عن اليمين وعن الشمال.

ولا عجب أن تكون حواراتها في اللقاءات الأولى التي جمعت أطيافها في استنبول وأنطاكيا وبلجيكا وباريس وغيرها من العواصم والدول تجري وفق نظام الحُزَم الأيديولوجية كاللبرالية أو الإسلامية البراغماتية أو الأقليات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت