فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 207

مما يهدد باحتمال كبير بوقوع فراغ في السلطة قد يتوسع إلى الدرجة التي تهدد بفقدان السيطرة وتعريض التركيبة المتآكلة للنظام الدولي لمخاطر جسيمة.

فقبل مذبحة الغوطة بحدود ثلاثة أشهر، نشر موقع قناة «الجزيرة نت - 1/ 6/2013» مقالة لوزير الخارجية الألماني الأسبق، يوشكا فيشر، بعنوان: «أمريكا المفتقدة» . وانضم المسؤول الغربي في المقالة إلى أصحاب الأطروحة الذين باتوا مقتنعين بأن النظام الدولي الحالي، بعد الثورة السورية خاصة، قد أمسى في مهب الريح. وبلسانه يقول: « (لقد) جرى الحفاظ على النظام الإقليمي الذي خلقته القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وإلى نهاية الحرب الباردة والحقبة الوجيزة من الهيمنة الأميركية الأحادية التي أعقبت نهايتها، بيد أن اضطرابات السنوات الأخيرة العنيفة ربما تفضي إلى نهاية هذا النظام .. الآن أصبحت الحدود الاستعمارية محل تشكيك، ومن الصعب أن نتكهن بما قد تنتهي إليه أحوال سوريا ولبنان والعراق والأردن. والآن أصبحت إمكانية تفكك المنطقة وإعادة تشكيلها - وهي العملية التي قد تطلق أعمال عنف لا توصف كما يحدث في سوريا - أعظم من أي وقت مضى» .

فلنتابع ما كشفت عنه مذبحة الغوطة من تشخيص لوقائع صراع دولي انطلق ولن ينتهي قريبا، لا بضربة عسكرية ولا بأخلاق لم تعد قائمة منذ زمن بعيد.

أولا: عالم بلا أخلاق

ليس في النموذج الرأسمالي الذي يهيمن على العالم سوى معياري الكسب والخسارة حتى في إطار الصراع على النظام الدولي، فكل الأمور والأشياء، وفق هذا النموذج، ليست سوى سلع يجري المتاجرة بها بموجب ما تفرضه حركة السوق من تثمين لهذه السلعة أو بخس لأخرى. وهكذا انتهزت زعامات «المركز» مذبحة الغوطة كسلعة ثمينة يمكن المتاجرة بها تحت مظلة ردع الأسد عن استخدام الأسلحة الكيماوية وقتله لنحو 1429 بريئا. أما روسيا، الراعي الرسمي للقمع والاضطهاد والحرمان والقتل لعشرات السنين، فقد جعلت من المبررات القانونية السلعة المنافسة، في القيمة، للمذبحة. أما الثابت بين شقي «المركز» ففي أنهما لم يتصرفا في يوم ما بأية أخلاق، ليس لأنهما مجردان منها فحسب بل لأن المنظومات الأخلاقية برمتها ليست في عالم المصالح من السلع المتداولة في نظام السوق البغيض هذا.

وبقطع النظر عن أية تبريرات للقرار الأمريكي إلا أن قرار التدخل العسكري من المفترض أنه اتخذ بموجب الصلاحيات التي تخول الرئيس اتخاذ القرار دون العودة إلى الكونغرس إلا بعد مرور شهرين، ودون الحاجة إلى مجلس الأمن الدولي، بل ودون الحاجة إلى أي سند قانوني، محلي أو دولي. وهذا يعني أن التدخل العسكري، رغم الاندفاع الإعلامي والتردد السياسي، دخل فعليا حيز التنفيذ، سواء وافق الكونغرس أو رفض أو أرجأ قراره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت