فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 207

ثمة مئات التصريحات من هذا النوع في كافة وسائل الإعلام العربية والدولية، المقروءة والمسموعة والمرئية. والأمر ليس خافيا ولا جديدا. أما وقد بلغ القتل في الرجال والنساء والأطفال مداه، وانكشفت بنية النظام ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وأفصح عن سلوكه ونواياه وطموحاته، وتمتع بحماية إقليمية ودولية، فلم يعد ثمة مفر من خوض المواجهة حتى النهاية، ولو بالشروط التي اختارها النظام ..

الجميع يخوضون حروبهم بما يلائمهم دون أن يعترض عليهم أحد .. الصفويون لهم مشروعهم .. والصليبيون لهم مشروعهم .. واليهود لهم مشروعهم .. وكلها مشاريع عقدية صرفة .. بأصولها وفصولها، ومفرداتها واستراتيجياتها، وتحالفاتها وسياساتها، وخططها وأهدافها، وإعلامها ووقائعها .. إلا المسلمين!!! فمحرم عليهم مشروعهم، بل يتجاهلون أو يتنصلون من أية دعوة عقدية، أو يحاربونها!! «حرام» عليهم الاستعانة بالله!!! فهو الإرهاب .. كل الإرهاب .. أما الاستعانة بشياطين الأرض فهو «أحل الحلال» .. فبعد كل هذا الدم والقهر، ما زلنا نسمع ونقرأ ونشاهد يوميا، وفي كل حين، من يؤكد على «سلمية الثورة» ، ونبذ «التطرف» و «العنف» . والعجيب أن تصريحات الواجهات السياسية والعسكرية للمعارضة السورية بدت أحرص على تجنب «العسكرة» من تصريحات الغرب نفسه، وبعضهم لا يتوانى عن مهاجمة الإسلام، والتنكر لكل شعار إسلامي، رغم أن اللافتات الإسلامية في الثورة السورية، والتي يتم تجاهلها عمدا في وسائل الإعلام، أغلقت عرض الشوارع وطولها في احتجاجات الثورة. ومع أن النظام الطائفي تجرأ على كل المحرمات والفطر الإنسانية إلا أن بعض أصوات المعارضة سُمعت بأوقح ما يكون، وهي تتجرأ على دين الله، وتبدي حماسا عجيبا في تطمين «إسرائيل» ، والحرص على سلامتها أكثر من حرصها على الدماء المسفوحة. فما الذي جعل الثورة السورية فريسة لكل «نطيحة» و «متردية» و «منخنقة» و «ما أكل السبع» ؟

ظهرت سوريا، عبر هذا النظام، دولة تلوذ بحمايتها حركات التحرر العربية، لاسيما الفلسطينية منها واللبنانية. وتبعا لذلك؛ استقبلت كافة الفلسفات الوضعية والأيديولوجيات، على اختلاف منابتها ومشاربها. وما بدا لعقود طويلة أرض «الأحرار» أو «الثورة» أو «الثوار» ، بعيون القوى اليسارية والقومية والوطنية والإسلامية واللبرالية والعلمانية وغيرها، كان بالنسبة للمجتمع السوري وقواه السياسية أرض «الجحيم» و «القهر» و «القمع» و «الاضطهاد» .

وبخلاف ما وقر في عقل ووجدان الغالبية الساحقة من الشعوب العربية، عن توفر مستوى متميز من الوعي، تمتع به الشعب السوري تجاه قضايا الأمة، بفعل الحضور الكثيف لحركات التحرر العربية، إلا أن التفاعل بين المشهدين كان واقعا، منذ لحظاته الأولى، على طرفي نقيض. ذلك أن العلاقة السياسية بين النظام وهذه الحركات لم تكن، على الجاني الآخر من الصورة، أكثر من علاقة طائفية بين النظام والمجتمع، وبغطاء دستوري، صاغته المادة الثامنة، التي قدمت حزب البعث قائدا للدولة والمجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت