وبطبيعة الحال لا يمكن لعلاقة طائفية، تسعى إلى الهيمنة والنفوذ، أن تستوطن الدولة والمجتمع إلا إذا حظيت (1) بمشروعية عقدية أو أيديولوجية من الطائفة ذاتها، و (2) مشروعية إقليمية ودولية، توفر الاستقرار من جهة والحماية من جهة أخرى، و (3) امتلكت أسباب القوة وأدواتها (مال، عصبية، أيديولوجيا، موارد بشرية وجغرافية، ظروف مواتية، وظيفة تضطلع بها، وهدف تسعى لتحقيقه ... ) و (4) سلطة جبرية تمارس إقصاء وقهرا منظما ..
وفيما كانت أرض «الثوار» توفر «الملاذات الآمنة» لحركات التحرر كان المجتمع يتعرض لاختراقات بنيوية، وتدميرية، طالت الثقافة الاجتماعية والجغرافيا السكانية والبنى العلمية والتعليمية والمعرفية والاقتصاد والتجارة ... أما البنى السياسية فقد تعرضت للاستئصال برمتها، حتى أنه لم يبق معارض واحد في سوريا إلا كان نصيبه التعذيب في السجون أو القتل .. وهذا ينسحب على البنى المدينية والتشكيلات الاجتماعية والإثنية التي يعج بها المجتمع السوري .. أما مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش، فقد تم وضعها تحت السيطرة الأمنية التامة. وما ليس عجيبا أو غريبا، بقدر ما هو مجهول للعامة والغالبية الساحقة من الخاصة، أن العلاقة البينية، في صلب البنى الأمنية والسياسية والعسكرية للدولة، وفيما بينها، تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن مثيلاتها في إيران. فكل مؤسسة أشبه ما تكون بدولة داخل الدولة، وكل واحدة منها لها نظامها الأمني والتجسسي الذي يجعل من كل حركة وسكنة داخل المؤسسة تحت الرقابة.
العجيب في هذا النوع من التنظيم الأمني الطائفي، أنه اخترق النسيج الداخلي في بعض المجتمعات العربية، وفي غفلة منها، كما هو الحال في البحرين والكويت وأخيرا العراق، وهو الاختراق ذاته الذي تم إسقاطه بالكامل على المجتمع السوري، بكل فئاته العمرية وتشكيلاته الثقافية والاجتماعية، متسببا بمحاصرة شاملة للوعي، وإشاعة مبرمجة لـ «التجهيل» ، على أوسع نطاق. وقد لا يَعْجَب المراقب من كون السوريين أحد أكثر شعوب الأرض، معرفة بالخوف وصنوفه وألوانه، لكنه يكاد يصاب بالذهول حين يكتشف أن حالهم لا يختلف كثيرا عما تعرض له الشعب الليبي، من تجهيل عميق، على يد الطاغية الراحل معمر القذافي. إذ أن العلاقة الطائفية المفروضة بكل أدوات القهر، صادرت، في الواقع، الحق في التفكير والتعبير والرأي، وتعطلت تبعا لذلك أدوات البحث والتنقيب، ومعها مناهج الفهم والإدراك والمعرفة.
لكن أعجب ما في هذا «التجهيل» المبرمج؛ أن السوريين يدركونه كل الإدراك، فالضابط له من الثقافة السياسية والفكرية والشرعية ومذاهب المعرفة والتفكير، ما لدى المسؤول الحزبي أو المدني أو الجندي أو العامي من الناس. ولا تفاضل بين أحد منهم على آخر. فالخوف والقهر والرقابة والإذلال والظلم الفادح دفع الجميع إلى هجرة العقل والمعرفة، وتجنب الاقتراب منهما، والتمسك بأقصى درجات الحيطة والحذر، اتقاء لشرّ نظام يقتل ويسجن ويعذب ويعاقب بالشبهة والخطأ وحتى في زلة اللسان. ولأنهم يعون جيدا ما فعله النظام بهم طيلة العقود الماضية؛ فقد صارت مخرجات هذه السياسة تصب في صالح الثورة السورية، وتعيد الشخصية السورية إلى