في المحصلة يمكن القول أن «الجيش الحر» ليس وحده القوة الفاعلة على الأرض. فعلى هامش القوى العسكرية المنظمة ثمة قوى متناثرة على امتداد ساحات الثورة، بعضها مدني النشأة، دفعه بطش النظام ومليشياته القاتلة إلى حمل السلاح دفاعا عن أهله أو حيه أو قريته، وبعضها الآخر ممن سلك طرقا جنائية وانحاز إلى قيم الثورة وأهدافها، وبعضها قبلي المحتوى والنشأة، عمل في المساندة والدعم ولو بحدود ضيقة جدا، وبعضها، امتطى ظهر الثورة طمعا في جني المكاسب، وبعضها من المنبوذين اجتماعيا، ممن لا تخلو منهم ساحة عنف، استغل الفراغ الأمني وسلك، عبر السلاح، سبلا جنائية، ألحقت أضرارا بمصالح الناس.
يبقى القول أن أسوأ ما في الثورة السورية، ونسبيا في «الجيش الحر» ، هي تلك الشريحة التي تَملَّكها الغرور والصلف، مستعملة الثورة، بوعي أو بدون وعي، جسرا للتسلق والتملق والاسترزاق والعبور والوصول إلى حيث تقع مصادر الدعم والتمويل، أو بحثا عن شهرة أو فضل ينسب في غير أهله. فما أن تستمع لأحدهم إلا ويزعم رعايته لمئات المقاتلين في هذه المنطقة أو تلك .. هذا إنْ لم يحتكر مسؤوليته عن منطقة برمتها، ناهيك عن الطعن بهذا التشكيل أو ذاك!!!
وأكثر من ذلك حين يزعم البعض ثقلا سياسيا وإعلاميا لعشرات القوى والتنسيقيات المحلية وبث الأخبار الكاذبة التي ألحقت ضررا بالغا في مصداقية إعلام الثورة، أو امتلاكه لمفاتيح وأدوات العمل العسكري والأمني، وعلاقات الدعم اللوجستي، محليا ودوليا، واختراق قواته لقوى النظام، وقدرته على قلب المعادلة لصالح الثورة فيما لو توفر له الحد الأدنى من التمويل!!! مع العلم أن العشرات إنْ لم يكن المئات من التشكيلات المسلحة، مدنية أو عسكرية، لا يتجاوز عدد أفرادها بضعة من عشرة أو بضعة عشرات، ومنهم الكثير ممن يعيشون في ظروف بائسة، ويعانون شظف الحياة، والفقر والتهديد والجوع والمرض.
بخلاف «الجيش الحر» والمجموعات المسلحة التي تشكلت، فطريا وعلانية، في صورة ألوية وكتائب مسلحة، كان هناك مشهد ثالث، ينمو بسرية وكتمان شديدين، بالتوازي مع المشهدين السلمي والعسكري للثورة، هو مشهد الجماعات المقاتلة، ذات المحتوى العقدي الصارم والصريح .. وهو ما يمكن التعبير عنه بمشهد «الثورة الجهادية» .. مشهد ثورة لا يخفى عليها ذاك الرصيد التاريخي العريق، فكرا وعقيدة وعملا وأهدافا، ولا خبراته أو خبرات وقائع تيارات «الجهاد العالمي» التي تجوب اليوم ساحات العالم الإسلامي.