الأسد سيبقى بالحكم بضعة شهور، وربما سنة أو سنتين، لكن في نهاية المطاف ثمة إمكانية بأن تتحول سوريا إلى كيان تسوده الفوضى، ولن يكون هناك عنوان للتحدث معه».
هكذا .. وبدون لف أو دوران؛ فإن المرابط الدولية الثلاثة في المنطقة، تضطلع بمهمة واحدة، تتمثل بالحفاظ على النظام الدولي بالصيغة التي استقر عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وبما يضمن بقاء «العلمانية» (بديلا عن الإسلام) و «الاستقرار» (الأمن الدولي) و «التعايش» (أمن إسرائيل) . ولأنه لا بديل عن المربط الطائفي حتى الآن، لحماية المرابط الأخرى، إلا الطائفة النصيرية نفسها، فمن الطبيعي أن تتجه كافة التدخلات الدولية والإقليمية نحو تحقيق اختراق في عمق الثورة السورية.
هكذا؛ وبقطع النظر عن أية معايير أو خلفيات قيمية أو أخلاقية أو تباينات في موقف هذا الطرف بالمقارنة مع ذاك، مما يتصل بدعاوى حسن الظن وما إلى ذلك، فإن مبادرة الأخضر الإبراهيمي واجتماعات المعارضة السورية في العاصمة القطرية - الدوحة (4 - 8/ 11/2012) مثلتا أخطر محاولتين في هذا السياق. وكالعادة سنجتهد في حشد أكبر قدر ممكن من التصريحات الموثقة لأصحاب الشأن كي تكون منارة يهتدي به من ضل السبيل.
ما من مبادرة اتسمت بالغموض الشديد والعجب كما اتسمت به مبادرة الإبراهيمي. فعلى امتداد أسابيع طويلة، من الجولات الماراثونية بين العواصم الدولية واللقاءات والتصريحات، حرص الإبراهيمي منذ اللحظة الأولى على التكتم الشديد على «خطته» في احتواء الثورة السورية، وخاض صراعا إعلاميا مكشوفا، وحادا، مع بعض وسائل الإعلام على خلفية تصريحات نسبت إليه ونفاها، بغضب، جملة وتفصيلا. ولعل أغرب ما في مبادرة الإبراهيمي ذلك الحرص الشديد منه ومن القوى الدولية على «فكرة» غياب أي «خطة» له .. وادعائه، كلما سئل عن ذلك، بأنه بصدد استطلاع المواقف وإجراء مناقشات مع الأطراف المعنية أو تقديم أو تلقي «مقترحات» و «أفكار» تمهيدا منه لبناء تصور عن الأزمة أو «خطة متكاملة» كما يقول!!! ولسنا ندري كيف يمكن لشخصية دولية متمرسة في العمل الدبلوماسي كالأخضر الإبراهيمي لا تمتلك أية تصورات عن حقيقة ما يجري في سوريا أو حقيقة المواقف الإقليمية والدولية.
ولعل الحقيقة الثابتة لدينا أننا لم نقع على زلات للإبراهيمي في الفترة الواقعة بين تعيينه مبعوثا دوليا (17/ 8/2012) خلفا لسلفه كوفي أنان، واقتراحه لـ «هدنة» الأيام الأربعة خلال عيد الأضحى المبارك. وفي غياب هذه «الزلات» ، التي تسمح بالتتبع والتحليل والربط بين الأحداث والمواقف، يصعب القول أن ما فعله الإبراهيمي كان مبادرة بقدر ما كان محاولة اختراق بالغة الدهاء. فما الذي أراده الإبراهيمي من هدنة يقل عدد أيامها عن عدد أصابع اليد الواحدة؟ .. «هدنة» من المستحيل أن تنجح وسط ركام هائل من الدمار وإرث عظيم