بطبيعة الحال كانت المعارضة السورية، على اختلاف ألوانها وأطيافها، كالطائفة «النصيرية» ، قيد التأهيل المبكر الذي رعاه «المركز» بشقيه الشرقي والغربي. وقد يبدو مألوفا، بحكم البراغماتية، أن تتغلب، وكالعادة، نظرية «المقاصد لشرعية» عند «الإخوان المسلمين» على «نظرية الحاكمية» . بل أن ما فعله إخوان سوريا لم يستطع أي فرع للجماعة أن يجاهر به في أية دولة تواجد بها الإخوان حتى لو كانت شريكة في غزو أجنبي كما حصل في العراق وأفغانستان أو محايدة تجاه غزو كما هو حال الجماعة في الصومال.
ففي 21/ 3/2012 صدر عن الجماعة ما اشتهر باسم وثيقة «العهدة الوطنية» . وهي الوثيقة التي تستجيب بلا أية مواربة لشروط «المركز» . وكان أهم ما نادت به اعتماد «مبدأ الكفاءة» كمعيار تقني وحيد للوصول إلى المناصب الحكومية في سوريا الجديدة، بعيدا عن أية مرجعية إسلامية أو منطق موضوعي يأخذ بعين الاعتبار عقيدة الغالبية الساحقة من السكان أو حضارة البلد أو تاريخها أو ثقلها في التراث العقدي أو حقوق المسلمين فيها.
ولا شك أن استبدال هوية الأمة وعقيدتها بما يسمى «حكم القانون» يجعل من سوريا دولة مجردة من أية ضمانة، وخاضعة بالمطلق لأهواء ومطالب ورغبات الأقليات والطوائف والأفراد والعصابات والجماعات والأحزاب والفلسفات الوضعية والأيديولوجيات وكل مخزون التمزق والتشتت. ومبدئيا يبدو عامة الناس والمسلمين، على وجه التحديد، هم الخاسر الأكبر، في حين أن الجميع سيخسرون لا محالة. إذ أن هذه القوى التي عجزت عن الاتفاق فيما بينها، وعن حماية نفسها ولو على مستوى الأفراد، فضلا عن عجزها في دعم الثورة، وحماية المجتمع والدولة والسكان من بطش النظام، ستكون أشد عجزا عن حماية سوريا ومصيرها ومستقبلها وسط هذا التمزق الهائل والمرجعيات المصطنعة بلا أي منطق ولو موضوعي.
مع كل المحاذير الخطرة والمدمرة لمثل هذه الوثيقة؛ إلا أن العناد كان سيد الموقف. وبعد بضعة أيام، خرج زهير سالم، الناطق الرسمي باسم «الإخوان المسلمين» في سوريا، على قناة «الجزيرة» ليعلق على الاعتراضات التي طعنت في الوثيقة، على خلفية قبولها بولاية الكافر على المؤمن. فقال: «لنكن صريحين .. فالذي يقبل بالديمقراطية وشروطها عليه أن يقبل باستحقاقاتها .. لا يجوز أن نتحدث عن العدالة والمساواة والحرية ثم نضع الشروط المانعة» !!! فهل الحكم الشرعي من الشروط المانعة؟ وهل عقيدة الأمة وهويتها من الشروط المانعة؟ وهل الخوف على مصير سوريا ومستقبلها من الشروط المانعة؟ وهل ثمة ضمانة منطقية واحدة، ولو موضوعية، تبرر إصدار مثل هذه الوثيقة!!!؟
بطبيعة الحال لم يتوقف العناد عند هذا الحد، بل أن محتوى الوثيقة جرى التأكيد عليه في مؤتمر القاهرة للمعارضة (2 - 4/ 7 / 2012) . هذا المؤتمر، الذي تحول إلى حلبة ملاكمة، بالكراسي والأيدي، فيما بين المؤتمرين، تجرأ على إصدار وثيقة باسم «العهد الوطني - 3/ 7/2012» لا تليق إلا به وحده، ولا تلائم إلا رغبات «المركز» ، المحارب لكل ما يمت للإسلام بصلة. وبحسب الوثيقة: «يحقّ لأيّ مواطن أن يشغل جميع