بشار الأسد. إلا أن محتواها العقدي توجه، نسبيا وبصراحة، نحو (1) المشروع «الصفوي» دون أن يقترب، ظاهريا، من (2) المشروع «الصليبي» ممثلا بـ «المركز» أو (3) المشروع «الصهيوني» ممثلا بـ «إسرائيل» . ومع ذلك فقد مثلت غطاء شرعيا للقوى المسلحة في الثورة السورية. وبدأت مفاعيله، لاسيما بعد مجازر أطفال الحولة وحماة (25، 27/ 5/2012) ، تتبلور في صيغة التخلي عن «محلية الثورة» والاتجاه نحو «الربط» بين المشاريع الثلاثة التي تواجهها الثورة .. هذا الربط الذي كان واقعا قائما منذ اللحظات الأولى للثورة، ومسكوتا عنه سياسيا وإعلاميا، صار اليوم مسموعا بملء الفم وعلى امتداد أفق البصر. وصار التحذير من الحرب الأهلية أو الطائفية، بمعنى أدق، أمرا لا مفر منه. والسؤال هو: ما هي خريطة القوى المسلحة المحلية والفاعلة في الثورة السورية؟ وإلى أي حد تبدو منسجمة عقديا في خوض الصراع؟
في مقالة سابقة بعنوان «عذراء الجهاد» قلنا أن المجتمع السوري خضع لعملية تجهيل متوحشة نجحت في تجريده من كل عناصر القوة وأدواتها. فهو لم يستفد من الأيديولوجيات والفلسفات الراديكالية التي كانت الحركات الوطنية العربية والفلسطينية تتمتع بها، كما لم يستفد من الوعي السياسي أو من أي تشكيل سياسي إلا بمقدار ما يعبر عنه خطاب «حزب البعث» بصيغته الأمنية المتوحشة أو النظام بصيغته الطائفية الدموية، كما لم يستفد من أية تجربة قتالية ثورية أو نظامية، ولا من الإسلام كمرجعية حضارية وشرعية وعقدية وسياسية، لاسيما بعد أن أحال النظام الإسلام للصوفية وأساطيرها وشركياتها.
إذن نحن بصدد مجتمع مقهور، ومجرد من «الخبرة» و «التجربة» و «المرجعية» و «العقيدة» . فما كان منه في أول مواجهة شاملة مع النظام إلا التحصن بـ «الفطرة» ، بوصفها المجال الوحيد الذي يتيح له ««التمايز» عن النظام من جهة، والمرجعية الوحيدة التي يمكن «الاسترشاد» بها في مواجهة النظام من جهة أخرى!!!! لذا ليس عجيبا أن يلحظ المرء لدى السوريين شعورا بالغربة والاستهجان في أية مناقشة ذات صلة في المسائل العقدية والأيديولوجية وحتى السياسية. لكن العجيب حقا أن تجد الكثيرين منهم، حين يشتد النقاش عمقا، يجيبون بالقول: «أنا لا أفهم ما تقول» ، وبعضهم الآخر يختصر النقاش بالقول: «يا أخي .. يا عمي .. أنا مسلم على الفطرة وهذا يكفيني .. لا توجع راسي .. الله يرضى عليك» !!!
لا شك أنها إجابات بليغة للغاية، وتحتاج إلى الكثير من التأمل، في ضوء وقائع الثورة وشعاراتها وكتائبها المسلحة. فـ «الفطرة» ، رغم ضحالة محتواها الشديد، ملأت مئات بؤر الاحتجاجات الشعبية بلافتات إسلامية ضخمة، ودعوات لتحكيم الشريعة، ومظاهرات صاخبة تنادي بالخلافة. بل أن كتائب «الجيش السوري الحر» لم تتخذ لها من الأسماء إلا تلك المستوحاة من التاريخ الإسلامي أو المتيمنة بأسماء الصحابة. وهو مشهد يبدو على النقيض من المشهد الجهادي في العراق، والذي شكلته عقلية أبو مصعب الزرقاوي وهيبته وليس «الفطرة» ، كما هو الحال في سوريا، مما يعكس، إلى حد كبير، مدى قابلية المجتمع السوري للتشكل العقدي.