هكذا؛ ففي الوقت الذي تبدو فيه «الفطرة» علامة ضعف عقدية إلا أنها علامة قوة بارزة يمكن الاحتيال عليها والتلبيس لكن يصعب اختراقها. فالعودة إلى «الفطرة» تعني، بوعي أو بدون وعي، القطع التام مع ما يصادمها من أيديولوجيات وفلسفات وثرثرات وحتى امتطاءات لظهر الثورة من هذه الجهة أو تلك. لكنها تعني بنفس الدرجة إمكانية الوقوع في المحاذير العقدية دون وعي. وعليه فقد يبدو طريفا أن تنادي مظاهرة بـ «تحكيم الشريعة» أو «عودة الخلافة» وفي نفس الوقت تطالب، هي أو غيرها، بـ «الحظر الجوي» أو «الحماية الدولية» !!!
هكذا هي عذرية الثورة السورية .. فهي عذراء في السياسة، وعذراء في الدين، وعذراء في القتال، وعذراء في الخبرة، وعذراء في التجربة، وعذراء في الأيديولوجيات .. عذراء في الشجاعة والبطولة والإصرار والثبات، وعذراء في كل منحى. والأكيد أن الصعوبات في التمييز بين الخطأ والصواب .. بين الحق والباطل .. بين الولاء والبراء .. بين وبين .... ناتجة عن هذه العذرية التي تتعرض لهجمات إعلامية وأيديولوجية وحتى اختراقات سياسية أو أمنية بين الحين والحين، لكن دون أن تنجح في احتوائها أو ثنيها عن أهدافها في بلوغ الحرية أو حتى قدر منها بلا طائفية.
بهذا التصوير لمشهد «مجتمع الثورة» يغدو «الجيش الحر» ، بمختلف مكوناته الاجتماعية، العسكرية والمدنية، سليل المجتمع السوري بنسخته العذرية، ما بعد الثورة وليس ما قبلها. فالثورة التي بدأت «سلمية» سرعان ما اتجهت نحو «العسكرة» القادمة من رحم النظام صاحب القبضة الأمنية الوحشية و «العلاقة الطائفية» المفروضتين على كافة مناحي الحياة في المجتمع والدولة. والثابت أن الثورة شقت طريقها إلى مؤسسات الأمن والجيش على وقْع الخيارين الأمني والطائفي للنظام، وتبعا لذلك فقد تعرضت القطاعات العسكرية والأمنية لاختبارات «تمايز» قاتلة، ذهب ضحيتها، غدرا، مئات الجنود والضباط، فضلا عن تصفيات طالت عائلات بكاملها. ولا ريب أن المفارقة العجيبة في الثورة العسكرية هي تلك «الوضعية المهينة» التي لم يسبق لها مثيل، والتي تحول فيها آلاف الجنود والضباط إلى لاجئين في الدول المجاورة، يسكنون مخيمات اللجوء، ويتلقون الإغاثة كما يتلقاها المدنيون!!!
إذن الأنوية الأولى للجيش، كما ذكرنا في مقالة «عذراء الجهاد» ، تكونت من المنشقين عن جيش النظام. لكن التشكيلات المنتشرة في عموم سوريا، من كتائب وألوية ومجالس عسكرية، لم تعد تقتصر فقط على ذوي الأصول العسكرية الصرفة. إذ ثمة متقاعدون عسكريون وأمنيون ومتطوعون وخبراء وإعلاميون مدنيون شكلوا روافد لا بأس بها للكتائب وحتى للقيادات الميدانية.
لذا فإن أبرز ما يميز «الجيش الحر» أنه ليس تنظيما أو جماعة أو حزبا. وهو كما قلنا مجرد عنوان للثورة وليس تنظيما أو حركة أو جماعة، وبالتالي يمكن أن ينتظم في إطاره، إعلاميا، كل من يرغب في مقاتلة النظام دون أن ينتسب إليه. وهذه وضعية مناسبة لـ «مجتمع فطري» لا تعنيه الصراعات الأيديولوجية ولا يأبه لها. وكل