ما في الأمر أن تأسيس «الجيش الحر» بدا كـ «مؤسسة عسكرية بديلة عن قوات الأسد» كما قال العقيد الركن أحمد فهد النعمة، قائد المجلس العسكري في محافظة درعا، مضيفا في تصريحات لصحيفة «الشرق الأوسط - 27/ 5/2012» لما يبدو محاولات للانتظام: «قمنا بتشكيل مجالس عسكرية في مختلف المحافظات وهي متواصلة من خلال المكاتب الإعلامية التابعة للمجالس العسكرية وهناك تواصل بين قادة المجالس ومع قيادة الجيش السوري الحر بشكل يومي ومستمر بغية التوصل إلى العمل المؤسساتي المنظم والهادف والذي يوازي المعايير الدولية» . وفي مقابلة مع صحيفة «الغارديان 2/ 6/2012» البريطانية أكد العقيد الطيار الركن قاسم سعد الدين، الناطق الرسمي باسم القيادة المشتركة لـ «الجيش الحر» بالداخل أن: «ثمة تنظيما أكثر وضوحا الآن مع تشكيل عشرة مجالس عسكرية إقليمية تتبعها كتائب محلية وفرق قتالية، وكلها لديها فروع إدارية تتعاطى مع التمويل والتزويد بالأسلحة والمساعدات الإنسانية» .
لكن مهما بدت هذه التشكيلات على درجة من التنسيق، الساعي إلى المأسسة التنظيمية، إلا أن بنية الجيش، وتوالي ظهور التشكيلات الارتجالية للكتائب المسلحة، والعمل في إطار اللامركزية، بالإضافة إلى الموقف الدولي الرافض لـ «تسليح الثورة» ، وطائفية النظام الدموية، مكنت كتائب الجيش من التمتع بكثير من الاستقلالية، والاحتفاظ بفطرتها، بما يكفي، على الأقل حتى الآن، لمقاومة الضغوط المحمومة التي بذلتها قوى في المجلس الوطني، وأخرى في قيادة الجيش، وكذا بعض الشخصيات والمشايخ، فضلا عن جهات إعلامية ودولية، لتحقيق اختراقات تنظيمية أو انتزاع مواقف معادية للقوى الإسلامية راهنا أو لاحقا .. مثل هذه القوى التي تطفوا على السطح بين الحين والحين، وتعيش حالة من انعدام الوزن، هي بلا شك تلعب بنار قد تحرقها وتوقع أثرا بالغا في القوى الثورية التي لا تعنيها الصراعات السياسية والأجندات الأجنبية.
فاللامركزية ومحاولات الاختراق ووضعية «عساكر الشتات» كان لا بد، عاجلا أم آجلا، من أن تلقي بظلالها على منطق العمل وآلياته في «الجيش الحر» . وقد بدا مثل هذا الأمر جليا في أعقاب تهديدات صدرت عن قيادات في الجيش داخل سوريا تقضي بإعطاء مهلة للنظام السوري تنتهي في 2/ 6/2012: «لتنفيذ قرارات مجلس الأمن والشرعة الدولية فورا» ، وإلا فإن الجيش: «في حل من أي تعهد يتعلق بخطة أنان» . وعلى الأثر رد العقيد رياض الأسعد قائد «الجيش الحر» على «بيان الداخل» بالنفي، قائلا: «لا توجد مهلة» ، مؤكدا في نفس الوقت: «التزام المعارضة بخطة أنان وبالقرارات الدولية» ، ومتمنيا أن يصدر كوفي عنان بيانا من طرفه يعلن فشل الخطة حتى لا يتم إلقاء مسؤولية الفشل على «الجيش الحر» .
هذا التباين الخطير في التصريحات كشف عن رؤى متصارعة بين «قيادات الخارج» و «قيادات الداخل» ، مثلما يؤشر على وجود قوى خارجية تسعى ليكون لها الصوت الحاسم في الداخل السوري. ففي 31/ 5/2012 رد العقيد قاسم سعد الدين، على تصريحات الأسعد بقسوة غير مسبوقة: «لا يحق لأحد أن يتكلم أو يصدر أي بيانات للجيش السوري الحر في الداخل ... واعتبارا من تاريخه لن نأخذ القرارات إلا من قيادات المجالس العسكرية في الداخل التي تعبر عن حال الشعب السوري الثائر .. ولا يحق لأي جهة عسكرية أو مدنية في