مواجهة شرعية مع النظام
لا ريب أن المواجهة الدامية التي تدور رحاها في سوريا بين النظام السياسي والناس لم يسبق لها مثيل إلا تلك المجازر المروعة التي ارتكبها النظام في حماة في 17/ 2/1982. ولأن أحدا لا يدري على وجه الدقة مضمون الجرائم التي وقعت آنذاك فإن المقاربات المتاحة لتوصيف جرائم النظام السوري تقع في سياق التاريخ البعيد، في ضوء حملات التتار على العالم الإسلامي، أو في ضوء الدولة العبيدية، أو في ضوء التاريخ القريب لمجازر الخمير الحمر في كمبوديا أو مذابح قبيلتي الهوتو والتوتسي في رواندا والمسلمين في البوسنة والهرسك، أو في ضوء وقائع وتوثيقات الثورة السورية نفسها.
في التاريخين، البعيد والقريب، كانت الفتاوى الصادرة في توصيف الأحداث ذات محتوى شرعي صريح. ولو استعنا بنموذجي البوسنة وأفغانستان لتبين لنا جليا كيف نشط العلماء ومعهم الدول في تهيئة أجواء المواجهة وتوفير أسباب الدعم والنصرة على أساس «كفر» الحملات الوحشية ضد المسلمين والقائمين عليها. ولتبين لنا أيضا كيف قُطعت العلاقات، وعُبئت الشعوب، ونشط العلماء والخطباء من على المنابر، واحتشدت وسائل الإعلام، وأنفق المنفقون دون خشية من مطاردة أو مساءلة، وتطوع الشبان للجهاد من كل حدب وصوب ... لرد عادية القوى «الكافرة» .
في الحالة السورية تبدو الأمور حتى اللحظة ملتبسة. فلم تحصل الثورة السورية على نصرة شرعية مؤثرة، كما كان الحال في البوسنة والهرسك وأفغانستان وحتى في العراق في المراحل الأولى. والحقيقة أن الفتاوى التي صدرت من علماء ومشايخ معروفين كثيرة. لكنها فتاوى لم تُحدث فارقا في النصرة والدعم حتى هذه اللحظة!!!! وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه بلا مواربة: ما هي مرجعية الفتاوى الصادرة؟ وما هو توصيفها الدقيق للرئيس السوري وحزب البعث والنظام الحاكم؟
أولا: فتاوى السلف
بخلاف العلماء والباحثين والمتخصصين في الفِرَقْ فليس من العجب أن يستنكر قارئ ما «تكفير النصيرية» برمتها لاسيما إذا كان له بعض الأصدقاء من الطائفة، ممن يصلون كما يصلي أو يصومون ويزكون مثلما يفعل هو تماما، وهذا ينطبق حتى على «النصيري» الذي يتميز غضبا كلما وقع على فتوى لعالم تقضي بـ «تكفيره» وطائفته. والشائع أن الجهل يكاد يطبق على العامة من الناس بمن فيهم أصحاب العقائد الباطنية الذين يجهلون حقيقة عقائدهم ولا يتسلمونها إلا في سن متأخرة، كما هو حال الطائفة «الدرزية» مثلا.