ورد في باب «حكم الإسلام في النصيرية» ، في «الدرر السنية» ، أن شيخ الإسلام ابن يتمية (667 - 721 هـ) ربما كان من أوائل الذين عرفوا حقيقة الطائفة وغيرها من الطوائف الباطنية التي فضحها وحاربها. ولعل قيمة «فتاوى» ابن تيمية في الفِرَقْ، ومنها «النصيرية» ، أنه أبرز من تصدى لهذه الفِرَقْ الباطنية، وأفضل من فضح عقائدها بلا هوادة، وبحسب ما أجمع عليه السلف من علماء الأمة. وهذا يعني أن ابن تيمية لم ينفرد في بيان عقائد الطائفة دون غيره، فقد سبقه، مثلا، عبد القاهر البغدادي (000 ـ 429 هـ (في كتابه الشهير «الفرق بين الفِرَقْ» ، وأبو الفتح الشهرستاني(479 - 548 هـ) في «الملل والنحل» ، وبعدهم جميعا ابن كثير (700 - 774 هـ) في «البداية والنهاية» ، وغيره. وفيما يلي مقتطفات من فتوى ابن تيمية في الطائفة ردا على سائل يسأل:
... «هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار الترك والإفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ولا بملة من الملل ولا بدين من الأديان السالفة، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها، يدعون أنها من علم الباطن - من جنس ما ذكره السائل - وهو من غير هذا الجنس، فإنهم ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه، إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكر السائل ومن جنس قولهم: أن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، والصيام المفروض كتمان أسرارهم، وحج البيت العتيق زيارة شيوخهم. وأن يدا أبي لهب هما أبي بكر وعمر، وأن النبأ العظيم والإمام المبين هو علي بن أبي طالب.
... ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، وإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا الحجاج والقوهم في زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود فبقي معهم مدة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وأجنادهم من لا يحصي عدده إلا الله، وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره السائل وغيره.
... وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبينوا ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد الذين هم فيه أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام، وما ذكره السائل في وصفهم قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء من وصفهم،
... ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين تارة يسمون الملاحدة، وتارة يسمون القرامطة، وتارة يسمون الباطنية، وتارة يسمون الإسماعيلية، وتارة يسمون النصيرية، وتارة يسمون الخربوية، وتارة يسمون المحمرة، وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم، كما أن اسم الإسلام والإيمان يعم المسلمين، ولبعضهم أسماء تخصه إما النسب وإما لمذاهب وإما لبلد وإما لغير ذلك وشرح مقاصدهم يطول ...