علمانية. وفي حالة الثورة السورية يبدو الخطاب الديني أكثر ثقة وإغراء في التحليل دون أن يتعارض مع أي قراءة موضوعية بقدر ما يكشف عن الغوامض منها ويحسم الموقف في بقية القراءات.
في التوصيف العقدي لن يكون الحديث متاحا عن إسقاط النظام دون النظر في التداعيات. إذ أن إسقاط النظام يعني إسقاط الطائفة، باعتبارها أداة «المركز» في الحفاظ على أمن النظام الدولي واستقراره. كما لا يمكن اعتبار «تحرير دمشق» علامة حاسمة على إسقاط النظام القائم. ولا يمكن، أيضا، التسليم بفكرة أن الخلاص يكمن في «تسليح الثورة» أو «الحظر الجوي» أو «إقامة المناطق العازلة» . فلا «المركز» ، صاحب النظام الدولي، ولا مربطه الأقوى «إسرائيل» ، ولا إيران ولا العراق ولا كل أطياف الشيعة ولا حتى النظام العربي، صنيعة النظام الدولي، سيقفون متفرجين أو منتظرين مصائرهم وهم يراقبون مربط النظام الدولي يجري انتزاعه من موضعه، متسببا بفراغ يهدد كافة الكيانات الإقليمية والمشاريع الصليبية والصهيونية و «الصفوية» . إذ أن لكل من هؤلاء مصالح استراتيجية تجتمع على تأمين الطائفة كمدخل لتأمين النظام الدولي وحماية كل هذه المصالح.
الثابت الوحيد أن كل ما هو مطروح على السوريين هو «الحل مع النظام» .. بل «الحل في صلب النظام» وبنيته التاريخية. وعليه فإن «تحرير دمشق» وفق الفهم السياسي للمعارضة ليس، في الحقيقة، سوى صيغة موازية لصيغة «الحل مع النظام» وليس إسقاطا له. لكن إذا ما رأى البعض أن «تحرير دمشق» يقصد به إسقاط النظام برمته في سوريا فسيعني هذا حتما، بلسان «المركز» ، أن المنطقة ستدخل في دوامة خطيرة جدا من الفوضى يصعب السيطرة عليها .. ولعل هذه الدوامة ستكون أولى ملامح «الملحمة» .. لذا، ورغم كل ما يجري في سوريا من قتل وتدمير ليس إلا إرهاصات لـ «ملحمة» قد تكون قادمة. والسؤال هنا: من هم أطراف «الملحمة» ؟
لا ريب أنهم كل الكتلة الجغرافية والسكانية لـ «الشام العقدية» أو «الشام التاريخية» في مواجهة «المركز» و «إسرائيل» و «الصفوية» . فـ «الملحمة» هي تلك التي «الملحمة العقدية» التي تخص كل أهل «الشام» وليس سوريا «سايكس - بيكو» أو سوريا النظام الطائفي. ولعل الحيرة في التعامل مع الثورة السورية في ضوء عذريتها العقدية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والأيديولوجية، وكذا غياب أية حقيقة موضوعية، وانسياق السوريين في ثورة يصعب التوقف فيها تدفع بالتفكير إلى أن ما يجري هناك ليس سوى تدبير رباني فشلت كل الجهود في احتوائه أو التحكم به أو السيطرة عليه أو حتى مجرد فهمه.
تبدو الثورة السورية كجوهرة ثمينة لا يدرك أحد قيمتها. ويبدو أن السوريين، أكثر من غيرهم، لا يريدون أن يصدقوا ما يفعلون. والحقيقة أن ما حققوه في عام ونصف يفوق ما حققته كل قوى الأمة منذ تقسيم العالم الإسلامي إلى يومنا هذا. فللمرة الأولى تشعر كافة القوى الدولية والإقليمية أن بنية النظام الدولي تهتز بشراسة،