من الوحشية وصدور فاضت قهرا وغيظا .. «هدنة» أقرب إلى الاستفزاز والاستغفال والاستهتار بعشرات آلاف من المفقودين والجثث المستوطنة تحت ملايين الأطنان من ركام البراميل المتفجرة .. «هدنة» استهدفت البحث عن التزام كل فرد من القتلة والضحايا!!! باختصار: ما الذي أراده الإبراهيمي من هدنته؟ وكيف أدار مبادرته الهلامية؟
كانت الانطلاقة من السؤال «ما البديل عن النظام» ؟ ذلك السؤال المركزي الذي فرضته الثورة السورية على القوى الدولية والإقليمية والطائفية، وهو الذي يمكن أن يفسر إلى حد كبير النشاط المحموم الذي بذله الإبراهيمي، منذ تعيينه في إدارة ما فضل الجميع تسميته بـ «الأزمة السورية» !!! فالسؤال هو انعكاس استراتيجي وتاريخي لوظيفة سوريا «النصيرية» في الحفاظ على أمن النظام الدولي واستقراره عبر التحكم (بـ) والسيطرة (على) القوى الوطنية أو المتمردة على إسرائيل» والنظام الدولي، الذي مزق العالم الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي. لذا فهو سؤال دولي وعربي وإيراني و «إسرائيلي» وتركي وطائفي. وتبعا لذلك لم يخرج الإبراهيمي في تقييمه لـ «الأزمة السورية» عن أي تقييم سابق، سواء كان دوليا أو إقليميا أو طائفيا.
لكن الإبراهيمي التزم مبدئيا في مؤتمر صحفي (24/ 9/2012) في أعقاب عرض قدمه أمام مجلس الأمن عن اتصالاته بدول المنطقة، وبصريح العبارة، بالتأكيد على أنه: «لا يمتلك خطة واضحة حتى الآن بل مجموعة أفكار» ، وأن خطة «النقاط الست» التي تبناها المبعوث السابق كوفي أنان بالإضافة إلى مقررات «إعلان جنيف» ، التي يتمسك بها الروس بأظافرهم وأسنانهم، ستشكل «عناصر» ضمن خطة عمله، وهو ما أكده الروس أنفسهم، لاحقا، عبر تصريحات أدلى بها ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية، في 16/ 10/2012 تقول بأن: «الإبراهيمي ليس لديه بعد خطة لحل الأزمة السورية، وإن موسكو مستعدة لتقديم مقترحاتها بهذا الشأن له» . لذا فقد وجدت «أفكار» الإبراهيمي استجابة ودعما من جميع القوى دون أن تلتزم بأي مشروع للحل، ودون أن يضطر الإبراهيمي إلى تحمل تبعات الفشل، كما قال ريتشر غوان من جامعة نيويورك (28/ 10/2012) ، بعد فشل الهدنة: «إن الإبراهيمي لم يزعم مطلقا أن هناك فرصة كبيرة لنجاح وقف إطلاق النار» ، معتبرا أن الدبلوماسيين في الأمم المتحدة «لن يحملوه تبعية هذا الفشل» .
ففي مؤتمر صحفي، عقده عقب زيارة قصيرة إلى لبنان (17/ 10/2012) وعشية الهدنة الفاشلة، قال الإبراهيمي: «على دول الجوار السوري أن تدرك أن الأزمة لن تبقى في الداخل السوري إلى الأبد, وإنها باتت تهدد بالانتشار لتأكل الأخضر واليابس، وهو ما يحتم البحث عن مخرج لإخراج سوريا من أزمتها» . وفي 5/ 11/2012 شدد الإبراهيمي بالقول أنه: «لا حل عسكري للأزمة السورية، وأن الحل الوحيد هو إيجاد عملية سياسية يتفق عليها الجميع، أو أن المستقبل سيكون سيئا للغاية، وستتدفق الأزمة على دول الجوار وحتى إلى دول بعيدة عن المنطقة» . ولتجنب الانهيار «اقترح» الإبراهيمي «فكرة» أن يقدم كل صاحب شأن «أفكاره» و «مقترحاته» وإجاباته على السؤال: «ما البديل» ؟ على قاعدة (1) «وقف العنف المتبادل» و (2) عبر صيغة «الحل السياسي مع النظام» ، دون الاقتراب من الأسد من حيث بقائه أو رحيله، وبما يحقق (1)