فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 207

فطرتها، لاسيما وأن الأيديولوجيات الوافدة لم تنصف السوريين في يوم ما بقدر ما زودت النظام بما يحتاجه من شرعية.

هكذا، ومع انطلاقة الثورة، شهد المجتمع السوري عودة إلى الأصول، في منطق مواجهة النظام. فإذا ما سُئل أحد السوريين عن هوية القوى السياسية العاملة، أو عقائد الجماعات المقاتلة في الثورة، فلن يحصل السائل على أكثر من إجابة واحدة: «الفطرة» !!! إجابة تعني القطع التام مع حفبة النظام، والاحتماء بـ «الفطرة» ، مثلما تعني أيضا أن المجتمع السوري خالي من الأيديولوجيات والفلسفات الوضعية، إلى الحد الذي لم تجد فيه أية قوة ثورية ما تسترشد به، في مواجهة النظام، سوى العودة إلى فطرتها.

ولا ريب أن لـ «الفطرة» إيجابياتها وسلبياتها. ففي حين أصلحت الثورة من فسد ثمة من استغل بيئة العنف ليعيث في الأرض فسادا. وهذا ينطبق على كافة التشكيلات الاجتماعية، من الفرد إلى القبيلة، ومن الشريحة إلى الطبقة .. وفي المحصلة مكنت «الفطرة» كل شريحة أو تشكيل اجتماعي من البحث عن ذاته، وأفسحت الطريق أمام الجميع للتخلص من الظلم مثلما أفسحت المجال لدعوات الحماية الدولية أو التدخل الدولي، دون أية حسابات عقدية أو موضوعية، أن تشق طريقها إلى الثورة .. وحتى وإنْ لقيت مثل هذه الدعوات تأييدا لها فلأن الناس تحدثت بموجب «الفطرة» ، وبما تراءى لها، وليس بما تعلم.

وذات التفكير؛ نجده في عقل العاملين في المؤسسات الحكومية والإدارية والسياسية والحزبية والعسكرية وحتى الاقتصادية للدولة، والتي يمكن القول أنها أقرب ما تكون إلى الانهيار من أي وقت مضى. ولا يمنعها من ذلك إلا شراسة الأجهزة الأمنية والرقابة اللصيقة، فضلا عن عوامل قصور قهرية تحول دون ما يمكن تسميته بالعصيان الرسمي. فالمعلومات المتوفرة، من عمق حصون الدولة، تؤكد لجوء النظام إلى فرض العمل الإجباري، الذي طال موظفين كبار في الدولة، من بينهم قيادات عسكرية وسياسية وحزبية ومحافظين ونواب ومثقفين وإداريين. كثير من هؤلاء منعهم النظام من العودة إلى منازلهم، أو التمتع بإجازات أسبوعية. أما أوضح المشاهد في هذا السياق فهي الانشقاقات التي ضربت الجيش. ورغم أنها لا تتعدى حتى اللحظة ما نسبته 7 - 10%، إلا أن هذه النسبة تخص أولئك الذين استطاعوا الإفلات، بوسائل شتى، من قبضة السلطة. أما أولئك الذين يطالبون بالانشقاق يوميا، في كافة مؤسسات الدولة، فأعدادهم مهولة. بل إن أغلب التوصيات الموجهة للقطاع المدني منهم تحثهم على البقاء في مواقع عملهم، لعدم القدرة على استيعابهم في الوقت الحالي. وفيما يتعلق بالعسكريين فإن التعليمات الموجهة لهم تقضي ببقائهم في وحداتهم أو العودة إلى بيوتهم، والعمل على تأمين أنفسهم وعائلاتهم خلال 14 يوما، أي قبل أن تصدر بحقهم مذكرات فرار من الخدمة.

هذه النقمة العارمة، التي تجتاح المجتمع السوري، ليست سوى مخرجات لمدخلات طائفية بغيضة، قام عليها النظام، وزرعها بأوحش صورها في شتى مناحي الحياة. فصار الجميع يترقب فرصة الخلاص بـ «أي ثمن» . ولئن كانت المعارضة قد وقعت في فخ التدويل السياسي للثورة فلأن النظام نفسه مارس تدويلا طائفيا صريحا منذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت