جواهر المراوغات والخداع الدولي الذي يقوده «المركز» ضد الثورة السورية. فلما تكون الطائفة امتيازا دوليا فإن تأمينها سيعني حصرا أن (1) كافة مبادرات الحل الدولي لن تتجاوز سقف النظام الطائفي، وأن (2) مبادرات الحل الإقليمي ينبغي ألا تقبل بأي تدخل دولي، وأن (3) «تسليح الثورة» ، ولو بمستوى رشاش متوسط أو مدفع هاون، سيعني قدرة الثورة على مهاجمة النظام في عقر داره وحصونه الطائفية.
إذن الأولوية الإستراتيجية الأولى لدى «المركز» تقضي بتأمين الطائفة، كي تبقى بمنآى عن الخسائر في الأرواح والممتلكات والمدن والأحياء والقرى. وتعني على وجه التحديد وجوب نقل المعركة أو حصر الحرب في مناطق السنة، وإعمال القتل والتدمير فيها بأقصى قدر ممكن، وبغطاء دولي حتى ينشغل الشعب السوري بنفسه لعدة عقود قادمة بعد أن تكبد خسائر في الممتلكات تصل إلى ألف مليار دولار. وهي نفس العقيدة القتالية لدى «المركز» و «إسرائيل» مثلا، حيث تبقى الدول والمجتمعات آمنة في مقابل تحطيم دول ومجتمعات الخصم. وفي السياق سيكون مفهوما لكل مراقب ذلك (1) الصمت الدولي الكبير على ما يبدو جيبا علويا آمنا أقيم على امتداد الساحل السوري، و (2) ضرورة الحفاظ على سلامة الكتلة السكانية «العلوية» في سوريا من الاستنزاف، وتقليل خسائرها إلى أدنى الحدود عبر (3) حشد مقاتلين من «الطائفة العلوية» في تركيا، والشيعية القادمة من إيران والعراق واليمن و «حزب الله» ، كوقود للحرب، وكذا (4) الاعتماد ما أمكن على أبناء الطائفة السنية نفسها في حرب النظام ضد الدولة والمجتمع السوريين.
هذه الاستراتيجية لـ «المركز» والنظام، على السواء، ترمي ببساطة إلى احتواء أي تذمر أو تمرد أو انشقاقات في صفوف الطائفة فيما لو تعرضت لخسائر بشرية ومادية كبرى، عبر طمأنتها، والتأكيد لها بأنها ستظل بحماية النظام الدولي، وبمنآى عن أي تهديد، فضلا عن أن مكانتها في أية صيغة حل ستبقى محفوظة، وفي المقدمة، وهو ما أكده وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا حين دعا إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة والجيش والأمن ومنع تفكيكها كي لا يتكرر، بزعمه، خطأ العراق حين هدمت الولايات المتحدة مؤسسات الدولة وأعادت بناءها وسلمتها للطائفة الشيعية. أما في سوريا فالطائفة هي التي تسيطر على الدولة والمجتمع وليس السنة، وبالتالي ما من معنى يذكر إلا الانتحار فيما لو أسقطت الولايات المتحدة التجربة العراقية على سوريا.
وهي أيضا ذات الاستراتيجية التي اتبعتها فرنسا في تأهيل الطائفة وحمايتها إلى أن تسلمت السلطة. وغني عن البيان القول بأن رسائل الطمأنة للطائفة من قبل القوى السياسية السورية، أيا كان شكلها ومحتواها، لن يكون لها أية قيمة تذكر مقابل ما يفعله «المركز» من إقامة المزيد من التحصينات والدفاعات الاستراتيجية التي يجري ترجمتها على أرض الواقع. وهذا يؤكد أن «المركز» لا يمتلك، حتى اللحظة، أي بديل عن الطائفة يمكن ائتمانه على مصالحه أو على سلامة النظام الدولي وأمنه واستقراره، مثلما يؤكد أن ضمانات المعارضة للطائفة ليست سوى هذيان. فما الجدوى إذن من المراهنة على «المركز» أو أي سياق آخر؟