فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 207

والمجتمع والدولة في سوريا. لكنها في واقع الأمر، وسواء عن علم أو عن جهل، ليست إلا «أدوات» لتمرير أخبث مشروع دولي تتعرض له سوريا، بحيث ينتهي بها المطاف إلى دولة أقليات تحكمها الطوائف باسم «الدولة المدنية» ، بعيدا عن أية هوية عقدية أو حضارية أو تاريخية أو موضوعية .. دولة أشبه ما تكون بالدولة اللبنانية الطائفية، والقابلة للحروب الأهلية، والانفجارات الاجتماعية والسياسية بين الحين والحين. فهل صمتت القوى السياسية المعارضة عما يُحضِّر له «المركز» وشاركت في صناعة مشروعه؟ أم أنها عجزت عن قراءة الحدث السياسي؟

من الثوابت التي استقرت مع انطلاقة الثورة السورية، والتي لم يعد ينكرها إلا «عناتر» القوى الدوغمائية من القوميين واليساريين، أن «سوريا النصيرية» لم تخلف إلا كوارث على حركات التحرر والقضايا العربية والإسلامية، فضلا عن المجتمع السوري الذي رضع القهر والرعب جيلا بعد جيل، دون أن يشعر به أو يلتفت إليه أحد.

بداية؛ لا بد من التنويه إلى أن فكرة القوى الاستعمارية، ممثلة ببريطانيا وفرنسا، قامت، ولمّا تزل، على تمكين القوى المعادية عقديا من ديار الإسلام ورقاب المسلمين. هذا ما حصل على وجه التحديد للمسلمين بعد الحرب الأولى (1913) وما تمخض عنها من إقامة للنظام الدولي الجديد على أشلاء العالم الإسلامي وعقائد المسلمين. وما يشهد به الماضي والحاضر أن أتاتورك وحلفاءه من يهود الدونمة تصدروا السلطة في تركيا على أنقاض الخلافة الإسلامية، فيما استوطنت الحركة الصهيونية في فلسطين عبر ما يسمى بـ «دولة إسرائيل» ، وعملت فرنسا، من جهتها، على تمكين الطائفة «النصيرية» من السلطة في سوريا. وحتى الآن لم تتغير فكرة تربيط العالم الإسلامي والهيمنة عليه بمثل هذه الأدوات والقوى.

وبطبيعة الحال لم يتغير الموقف فيما يتعلق بسوريا الثورة بقدر ما عبّر «المركز» عن تمسكه بالفكرة طبقا لصيغة «الحل مع النظام» . وهي الصيغة التي تعني، أصلا وفصلا، أن الطائفة ما زالت تحظى بثقة «المركز» ، باعتبارها ماركة مسجلة باسم النظام الدولي، لكنها باتت عاجزة عن القيام بواجبها على أكمل وجه، كما فعلت طوال العقود الستة الماضية، بعد أن تم استنزافها، وصار إرثها الأمني والدموي ثقيلا جدا. فما الحل إذن؛ بحيث يمكن تمرير بقاء الطائفة في السلطة ضمن صيغ ومصطلحات يجري الترويج لها على قدم وساق؟

الثابت أن سوريا، كتركيا بالضبط، وريثةً للمجتمع العثماني في بلاد الشام، وتشتمل على مخزون ثري من الأقليات والإثنيات، يقارب عددها ما بين 25 - 30 قومية أو إثنية أو طائفة. وبالتالي ما من سبب يمنع استثمار هذا المخزون الذي يجعل من سوريا القادمة نسخة طبق الأصل عن لبنان .. نسخة تجيب على السؤال: ما البديل»؟ وتلبي مصالح «المركز» وتركيا وإيران و «إسرائيل» والعراق والنظام الإقليمي العربي وكل القوى اللبرالية والعلمانية والطوائف والفرق الباطنية .. نسخة يجري إخراجها بمشاركة دولية ومحلية وطائفية على السواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت