ولا ريب أن هذه الوضعية لـ «الجيش الحر» مكنت القوى السياسية المعارضة، كالإخوان المسلمين، والمجلس الوطني، وبعض الشخصيات والمشايخ، وكذا القوى الدولية، بغطاء إعلامي من النفاذ إليه وتوجيهه الوجهة التي يرغبون فيها. وهو بهذا التوصيف، وعبر الضخ المالي المحسوب، يغدو أداة يمكن بواسطتها التحكم بحجم العسكرة، وارتفاع أو انخفاض وتيرة العمل العسكري، ونوعيته وأهدافه. ولعل المراقبين لاحظوا، في أكثر من مرة، كيف تبنى الجيش بعض العمليات ثم تراجع عنها في وقت لاحق، وكيف أنه رفض تبني عمليات أخرى نفذتها جماعات مقاتلة ضد النظام ومؤسساته، وكيف اضطر للامتثال إلى توجيهات المجلس الوطني بعد أن رفضت فرنسا وروسيا تبنيه لعملية حرستا في ريف دمشق، وكذا عمليات حلب في الشمال. ولو تتبعنا تصريحات الأسعد لوجدنا أنه في لحظة ما يرفض التدخل الدولي وفي لحظة أخرى يؤكد أن لا حل مع النظام بدونه، وتارة يعلن عزمه مهاجمة النظام وبعد قليل يختصر مهمته بحماية المدنيين فقط!!! .. هذا التذبذب واقع، لأنه أمكن، بسهولة، احتواء «قائد الجيش الحر» ، وإخضاعه لوصاية المجلس الوطني باسم التنسيق المشترك. ولا ريب أن أسبابا كثيرة يجري تداولها ليس أولها التجهيل الذي تسبب بانعدام التجربة والخبرة ولا آخرها ما لاحظه البعض من الضعف الشديد في شخصية الأسعد نفسه بخلاف ما بدت عليه شخصية العميد مصطفى الشيخ.
المهم؛ أن احتواء «الجيش الحر» شكل اختراقا مبكرا في وتيرة العمل العسكري ونوعيته، وقد يشكل خطرا على مسار الثورة السورية وفاعليتها في مواجهة سلسلة من منظومات الاستبداد المحلي والإقليمي والدولي. والحقيقة أن «المركز» ، قبل كل شيء، ليس معنيا، حتى هذه اللحظة، بالتدخل العسكري، أو بتسليح الثورة السورية أو السماح بمهاجمة النظام. وإعلاميا يمكن أن نسجل عشرات التصريحات الغربية وهي تتحدث عن تسليح الثورة؛ لكن التدقيق فيها يؤكد أنها مشروطة حينا أو مناقضة لنفسها في حين آخر، أو ذات أهداف سياسية في حين ثالث، أو مجرد خيار مفتوح ليس له حدود. لكن من المؤكد أن القوى الدولية بحاجة إلى عنوان عسكري بنفس القدر الذي تحتاج فيه إلى عنوان سياسي كالمجلس الوطني. وستكون مضطرة لإيجاده لو لم يكن موجودا. وهذا ما تولت القيام به فرنسا بالذات، وغطته بكل المكر والدهاء قوى الإعلام العربي والدولي. مع أن واقع الجيش، على مستوى القيادة الخارجية، مغاير إلى حد كبير لواقع المجموعات المنشقة والمقاتلة على الأرض. بل وفي بعض الأحايين تصل العلاقة ما بين الجانبين إلى حد النقمة والسخط وانعدام الثقة، بسبب ما بدا حينا لبعض المجموعات تقتيرا في الدعم وفي حين آخر تجاهلا مقصودا. وهذه مؤشرات تدل على أن احتواء الجيش قد لا تؤثر فعليا على الفعاليات المسلحة للثورة بقدر ما تصيب الأوصياء على الجيش بضرر المصداقية. أما لماذا يحتاج «المركز» إلى عنوان عسكري؟
فلأنه: (1) يحرص على الاحتفاظ بالإرث الأمني للنظام في حالة سقوطه أو الاضطرار إلى إسقاطه. فالنظام جرد المجتمع السوري من أية وسيلة للدفاع عن النفس، وأغرقه في الجهل، وجعله تحت رحمة آلة القتل الفتاكة، من كل حدب وصوب. وبالتأكيد فإن مثل هذه الحالة تمثل نموذجا مثاليا لـ «إسرائيل» ، فضلا عن أن المنطقة