كلام سيبويه هنا كأن آخره يخالف أوله ففي البداية صرح بأن النصب على المعنى ولا حذف فالمصدر قام مقام الفعل وعمل عمله .. وفي آخر النص صرح بالحذف .. فهل الحمل على المعنى عنده مستلزم للحذف؟؟
وقد رجعت إلى شرح السيرافي لاستيضاح المعنى، لكنكلامه كان شبيها بكلام سيبويه فهو يذكر في بداية كلامه"يجوزأن يكون انتصابه بفعل يدل عليه له صوت؛ لأن له صوت يدل على أنه يصوت وينوب عنه ... ثم قال ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل"
وقريب منه هذا النص قوله:1/ 169 - 174 وهو يسبقه
وتقول في هذا الباب هذا ضاربُ زيدٍ وعمرو إذا أَشركتَ بين الآخِر والأوّل في الجارّ لأنه ليس في العربيّة شئٌ يَعْمَلُ في حرف فيَمتنع أن يُشْرَكَ بينه وبين مثلِه > وإن شئت نصبت على المعنى وتُضمِرُ له ناصِبًا فتقولُ هذا ضاربُ زيدٍ وعمرًا كأنّه قال ويَضرِبُ عمرًا أو وضارِبٌ عمرًا > (هنا قدر الفعل قبل المعطوف فكأن الناصب محذوف) وممّا جاءَ على المعنى قول جَريرٍ
% (جِئْنِى بِمِثْلِ بَنِى بَدْرٍ لقومِهِمِ % أو مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْظورِ بنِ سَيَّارِ) % > وقال كعبُ بن جُعْيلٍ التَّغلبُّى % (أَعِنَّى بخَوّارِ العِنانِ تَخالُهُ % إذَا راحَ يَرْدِى بالمُدَجَّجِ أَحردَاَ) % % (وَأبْيَضَ مَصقولَ السَّطامِ مُهَنَّدًا % وذا حَلَقٍ من نَسْجِ داوُدَ مُسْرَدَا) % > فَحَمَلَه على المعنى كأنه قال وأَعْطِنِى أَبيضَ مصقولَ السَّطام وقال هاتِ مثلَ أُسرِة منظورِ بنِ سيَّارٍ > والنَّصبُ في الأوّل أقوى وأحسنُ لأنَّكَ أَدخلت الجرَّ على الحرف الناصب ولم تجئْ ههنا إلاّ بما أصله الجرُّ ولم تُدْخِلْه على ناصبٍ ولا رافعٍ > وهو على ذلك عربىٌ جيد > والجُّر أجودُ > وقال رجل من قيس عيلان
% (بينا نحن نَطلُبه أَتانا % مُعَلَّقَ وَفْضةٍ وزِنادَ راعِ) % > وزعم عيسى أنَّهم يُنشِدون هذا البيت % (هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجِتنا % أو عبدَ رَبَّ أَخاعَوْنِ بنِ مِخراقِ) % > فإِذا أَخْبَرَ أَنّ الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير تنوين ألبَتَّةَ لأنَّه إنما أُجْرِىَ مُجرى الفِعل المضارِع له كما أَشبَهه الفعلُ المضارعُ في الإِعراب فكلُّ واحد منهما داخل على صاحبه فلما أَراد سِوى ذلك المعنى جرى مجرى الأسماء التى من غير ذلك الفعل لأنَّه إنما شُبِّهَ بما ضارعه من الفعل كما شبه به في الإعراب > وذلك قولك هذا ضاربُ عبدِ الله وأخيه > وجهُ الكلام وحدُّه الجرُّ لأنَّه ليس موضعًا للتنوين > وكذلك قولك هذا ضارِبُ زيدٍ فيها وأخيه وهذا قاتلُ عمروٍ أَمسِ وعبدِ الله وهذا ضاربُ عبدِ الله ضَربْا شديدا وعمروٍ > ولو قلت هذا ضاربُ عبدِ الله وزيدًا جاز على إضمارِ فِعل
أى وضَرَبَ زيدًا > وإنما جاز هذا الإِضمارُ لأنّ معنى الحديث في قولك هذا ضاربُ زيدٍ هذا ضَرَبَ زيدا وإن كان لا يَعمْلُ عملَه فحُمِلَ على المعنى كما قال جلّ ثناؤه! 2 < ولحم طير مما يشتهون وحور عين > 2! لمّا كان المعنى في الحديث على قوله لهم فيها حَمَلَه على شئ لا يَنْقُضُ الأوّلَ في المعنى > وقد قرأه الحسن > ومثله قول الشاعر % (يهْدِى الخَمِيس نِجادًا في مَطالِعها % إمَّا المِصَاعَ وإمّا ضَرْبَةٌ رُغُبُ) % > حمله على شئ لو كان عليه الأوّلُ لم يَنقُض المعنى
> ومثله قول كَعبِ بن زُهَير % (فلم يَجدَا إلاّ مُناخَ مَطَِّيةٍ % تَجافَ بَها زَورٌ نَبِيلٌ وكَلْكلُ) % % (ومُفْحَصهَا عنها الحَصىَ بِجِرانِها % ومَثْنَى نَواجٍ لم يَخُنْهُنَّ مَفْصِلُ) % % (وسُمْرٌ ظِماءٌ واتَرَتْهُنّ بَعدَها % مضتْ هَجْعَةٌ من آخِرِ الليلِ ذُبَّلُ) % > كأنّه قال وثَمّ سُمْرٌ ظِماءٌ > وقال % (بادتْ وغَيَّرَ آيَهنّ مع البلَى % إلاّ رَواكِدَ جَمْرُهنّ هَباءُ)
% (ومُشَجَّجٌ أَمّا سَواءُ قَذالهِ % فَبدا وغيَّرَ سارَهُ المَعْزاءُ) % > لأنّ قولَه إلاّ رَواكَد هى في معنى الحديث بها روَاكدُ (هل هنا حمل على المعنى فقط أم تقدير محذوف؟) لو كان عليه الأوَّلُ لم ينَقض الحديثَ > والجرُّ في هذا أَقوى يعنى هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ وعمرًا بالنصب > وقد فَعل لأنّه اسمٌ وإن كان قد جرى مجرى الفعل بعينه > والنصبُ في الفصل أَقوى إذا قلت هذا ضاربُ زيدٍ فيها وعمرًا كلَّما طال الكلامُ كان أَقوى وذلك أَنّكَ لا تَفصل بين الجارّ وبين ما يَعْملُ فيه فكذلك صار هذا أَقوى > فمن ذلك قوله جلّ ثناؤه ^ (وَجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا والشّمسَ والْقَمَرَ حُسْبَانًا) ^
وفي شرح السيرافي ذكر أن هذا حمل على المعنى ولم يشر للحذف مع أن سيبويه صرح بالإضمار
(يُتْبَعُ)