ـ [عاملة] ــــــــ [19 - 05 - 2007, 12:03 ص] ـ
في تعريف المفعول فيه
قيْدٌ لازمٌ أم مخلٌّ؟!
عرّف ابن مالكٍ الظّرْف بقوْله:
الظّرْف وقْتٌ أو مكانٌ ضُمّنا باطّرادٍ كهُنا امْكث أزْمنا
وقد شكّل هذا التعريف الذي تضمّنه هذا البيت للمفعول فيه موْضعًا للجدل الكثير بين أقطاب النّحاة ممّنْ تأخّر عنه وتعرّض لكلامه شرْحًا أو تعليقًا وتحْشيةً، وذلك من ناحية صحّة جعْل قيد (باطّرادٍ) جزءًا من هذا التعريف للظّرْف الاصْطلاحيّ أو عدم صحّته، فبين مُثْبتٍ للحاجة الملحّة إلى أخذ هذا القيد واعتباره، وآخر نافٍ للحاجة مع اعتقاده بعدم المحذور الكبير في أخْذه، وثالثٍ ارتقى بنفْسه عن نفْي الحاجة إليْه إلى القوْل بكوْنه مخلاًّ بالتعريف مُفْسدًا له ..
ويَجْدر بنا في البداية أنْ نتعرّض لمعْنى ، فنقول:
هو الكثْرة والانتشار، وكلمة (اطّراد) في هذا البيْت اسْمٌ مجرورٌ بالباء التي هي متعلِّقةٌ بالفعْل ، فيكون المقصود: الظّرْف هو كلّ اسْمٍ تضمّن الدّلالة على معنى ، وكان هذا التضمّن فيه مطّردًا مُنْتشرًا، بحيْث يكون هذا الاسْم قابلًا لتأدية هذا المعنى مع كلّ فعْلٍ يُمْكن أنْ يُفْرَض دخوله عليْه، لازمًا كان الفعْل أم متعدّيًا، ماضيًا أم مضارعًا أم أمرًا، فعْلًا كان أم وصْفًا يُشْبهه، ومهْما كانتْ مادّته أو مدلوله الحدثيّ.
والوجْه الذي دَرَج شّرّاح كلام النّاظم على تقْديمه كتبريرٍ لذكْره قيْد في التعريف هو التالي:
أنّ هناك بعْض الأسماء، لا تُعْتَبَر ظرْفًا ومفْعولًا فيه، ولا يتمّ معاملتها على أساس ذلك، بل يَحْكمون بكوْنها خارجةً عنه، على الرّغْم من تضمّنها معنى ، وذلك نحْو: (الدّار) و (البيْت) و (الشّام) ، في الجمل الثلاث التالية:
أ. دخلْتُ الدّارَ. ب. سكنْتُ البيْتَ. ج. ذهبْتُ الشّام.
أمّا أنّها متضمّنةٌ للظّرْفيّة ومتحمّلةٌ لمعنى: فلأنّها ظروفٌ للعوامل الثلاثة التي نصبتْها، وهي: (دخلْتُ) و (سكنْتُ) و (ذهبْتُ) ، فإنّ الدّار ظرْفٌ للدّخول، والبيْتَ ظرْفٌ للسّكن، كما أنّ الشّام ظرْفٌ للذّهاب.
وأمّا أنّها لا تُعْتَبَر ظروفًا، ولا تَدْخل في المفعول فيه، وأنّهم لا يُعاملونها معاملته: فلأنّها منصوبةٌ على التشْبيه بالمفعول به، فهي ليستْ مفعولًا به حقيقةً، لكنّها شُبِّهَتْ في كلام العرب بالمفعول به، كما أنّ الأفْعال المذكورة التي دخلتْ عليْها أفعالٌ لازمةٌ وليْستْ متعدّيةً، ولكنّها نُزِّلتْ في كلامهم منزلة الفعْل المتعدّي، وعُوملَتْ معاملته، فكان لها أنْ تَنْصب مفعولًا به كما يَنْصب هو، غاية الأمر: أنّ ما ينْصبه الفعْل المتعدّي حقيقةً يكون مفعولًا به على وجْه الحقيقة، وأمّا ما تنْصبه هذه الأفْعال التي أُجْرِيَتْ مجْراه فمفعولٌ به على سبيل التوسّع والمسامحة في الكلام، لا على وجْه الحقيقة.
فهنا، لو أنّنا اكْتفيْنا في تعريف المفعول فيه بالقوْل بأنّه: الاسْم المتضمّن معنى ، لكان هذا التعريف مُدْخلًا لهذه الأسماء الثلاثة، مع أنّها عندهم خارجةٌ عن المفعول فيه، أي: أنّها ليستْ من أفراد المعرَّف، بل هي من أغياره ومن مصاديق مفْهومٍ آخر أجنبيٍّ عنه.
فكان لا بدّ أنْ نُفتّش عن الخصوصيّة التي شكّلتْ محطّ الفرْق والتمييز بين هذه الأسماء الثلاثة وبين سائر الأسْماء المتضمّنة لمعنى الظّرْفيّة ممّا حكموا بانطلاق اسْم المفعول فيه عليْها. وقد ارتأى ابن مالكٍ أنّ هذه الخصوصيّة الفارقة بين الطّائفتيْن المُشار إليْهما، إنّما هي خصوصيّة (الاطّراد) ، إذْ قد لاحَظَ أنّ تضمّن الطّائفة الكبيرة من الأسماء لمعنى الظّرْفيّة مطّردٌ مُنْتَشرٌ، لا يتأثّر ـ في الغالب ـ بنوْعيّة الفعْل الدّاخل على الاسْم، فيبْقى الاسْم متضمّنًا لهذا المعنى، ومؤدّيًا نفْس ما تؤدّيه الجارّة (في) ، مهْما كانتْ طبيعة العامل الدّاخل عليْه والنّاصب إيّاه.
وهذا بخلاف الطّائفة القليلة، والتي منها هذه الأسماء الثلاثة، فإنّ أصْل التضمّن، وإنْ كان أمرًا مُشْتَرَكًا بينها وبين الطّائفة الأُخْرى، إلاّ أنّ التضمّن الذي فيها، هو نوْعُ تضمّنٍ لمْ يُقَدَّر ولمْ يُكْفَل له الوجود والبقاء والدّيْمومة مع جميع الأفْعال أو العوامل التي منْ شأْنها أنْ تتركّب منها الجُمْلة بحسب أغراض المتكلّمين المتعدّدة والكثيرة، بل نرى أنّ هذا التضمّن يزول مباشرةً وتلْقائيًّا عند زوال أو تبدّل العامل الدّاخل على الكلام، فلا نسْتطيع في (دخلْتُ الدّار) مثلًا، أنْ نسْتبْدل الفعْل بفعْلٍ آخر، ك (نمْتُ) أو (أكلْتُ) أو (تعلَّمْتُ) ، فإنّه لمْ يَثْبتْ عنهم، كما لا يصحّ عندهم، أنْ يُقال: نمْتُ الدّار، أو: أكلْتُ الدّار، أو: تعلّمْتُ الدّار، على أنْ يكون المقصود أنّ الدّار ظرْفٌ ومكانٌ وقع فيه كلٌّ من حدث النّوْم والأكْل والتعلّم. وكذا الحال في المثاليْن الآخريْن ..
بينما نجد: أنّ كلمة (مكانًا) تقْبل التضمّن المذكور مع كلّ فعْلٍ يطْلب الدّخول عليْها، بل مع كلّ ما يدلّ على حدثٍ يُراد الدّلالة على وقوعه فيه، فتقول: أكلْتُ مكانًا، ونمْتُ مكانًا، وشربْتُ مكانًا، ودرسْتُ مكانًا، وأنا متعلّمٌ مكانًا، وهو مضْروبٌ مكانًا، وهكذا ... و (مكانًا) في جميع هذه الأمثلة ونظائرها يكون باقيًا على قديم عهْده من تحمّله معنى الظّرْفيّة وتأديته.
وإذا كان (الاطّراد) خصوصيّةً فارقةً بين الطّائفتيْن، أمْكَنَ، بل وَجَبَ حينئذٍ أنْ نأخذ هذه الخصوصيّة قيْدًا في تعريف المفعول فيه، وتكون وظيفتها هي استثناء الطّائفة الأجنبيّة التي ليْستْ ظروفًا عندهم في الاصطلاح كما في الاستعمال. وبالفعْل، فهذا ما كان، وهذا ما الْتزم به النّاظم تمامًا.
فهذا هو الأساس النّظريّ الذي يَكْمن وراء تقييد التعريف بالقيْد المذكور.
وقد تبيّن: أنّه لولاه لَما كان التعريف متوفّرًا على الشّروط والمواصفات الفنّيّة التي يَشْترطها أهل الميزان في كلّ تعريفٍ، لأنّه آنذاك لا يكون ـ بتعبيرهم ـ مانعًا وطاردًا للأغيار.
اعتراض ابن النّاظم
يأتي إنْ شاء الله قريبًا
(يُتْبَعُ)