امرؤ القيس في قوله: [الطويل]
كأنّي لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا (1) ذات خلخال [1]
ولم اسبأ (2) الزقّ (3) الرّويّ (4) ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال (5)
وهذا معدول عن وجهه ولا شك فيه.
فقيل: وكيف ذلك؟ قال: إنما سبيله أن يقول: [الطويل]
كأنّي لم أركب جوادّا ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
ولم أسبأ الزقّ الرويّ للذة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
فيقترن ذكر الخيل بما يشاكلها في البيت كله، ويقترن ذكر الشراب واللهو بالنساء ويكون قوله: «للذة» في الشرب أطبع منه في الركوب!.
فبهت الحاضرون، واهتزّ سيف الدولة، وقال: هذا التهدي وحق أبي!.
فقال له بعض الحاضرين من العلماء: أنت أخطأت وطعنت في القرآن إن كنت تعمّدت!.
فقال سيف الدولة: وكيف ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلََّا تَجُوعَ فِيهََا وَلََا تَعْرى ََ (118) وَأَنَّكَ لََا تَظْمَؤُا فِيهََا وَلََا تَضْحى ََ} [طه: 118، 119] ، وعلى قياسه يجب أن يكون: إن لك أن تجوع فيها ولا تظمأ ولا تعرى فيها ولا تضحى! وإنما عطفه امرؤ القيس بالواو التي لا توجب تعقيبا، ولا ترتّب (6) فخجل وانقطع!
الكاعب: من نهد ثدياها.
(2) سبأ الخمر: شراها.
(3) الزق: السقاء.
(4) الرّويّ: المروي.
(5) أجفل: أسرع وذهب.
(6) مثل هذا عن المتنبي مع سيف الدولة إذ أنشده قصيدته التي مطلعها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
إلى أن قال: [الطويل]
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
فأنكر عليه سيف الدولة تطبيق عجزيهما، وقال ينبغي أن تطبّق عجز الثاني على الأول، وعجز الأول على الثاني على صدريهما، وأنت في ذلك مثل امرىء القيس في قوله: كأنّي لم أرتكب.
(1) البيتان في الديوان ص 127.