والتنويه به وبشعره، حتى أمن الشاعر ولم يخفه على نفسه وظنّ أنه قد رضي، فقدم طرفة والمتلمس على عمرو ابن هند يتعرّضان لفضله ومعروفه وكان المتلمس أيضا قد هجا عمرو ابن هند الملك في قصيدة من شعره، وكان في نفس الملك موجدة عليه يكتمها عنه كذلك.
أظهر عمرو ابن هند الاحتفاء بالشاعرين، وتلطّف معهما تلطفا جميلا وكتب لكلّ منهما كتابا إلى عامله بالبحرين (1) وأوهمهما أنه أمر لهما بعطاء كثير سيدفعه إليهما هذا العامل عندما يتوجهان إليه بهجر وقال لهما: انطلقا إليه فخذا جوائزكما منه، وكان قد أعطاهما هدية من عنده وحملهما.
ولعلّ إيثاره لهذا الأسلوب في الانتقام من الشاعرين لخوفه من قبيلتهما بكر حتى لا يرمى الملك بقتلهما، أو بمثابة الرّدّ على قول طرفة في هجائه: [الوافر]
لينجزني مواعد كاذبات ... بطيّ صحيفة فيها غرور (2)
كان مكتوبا في صحيفة المتلمس: «باسمك اللهمّ، من عمرو ابن هند إلى المكعبر: إذا جاءك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا» ، وكذلك كانت صحيفة طرفة.
وخرج الشاعران من بلاط الملك، فلما وصلا النجف قال المتلمس: يا طرفة إنك غلام حديث السن، والملك من عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه فلست منا أن يكون قد أمر بشر، فهلمّ فلننظر في كتبنا هذه، فإن يكن قد أمر لنا بخير مضينا فيه، وإن تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا، فأبى طرفة أن يفكّ خاتم الملك، وعدل المتلمس إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي (3) ، فأعطاه الصحيفة ليقرأها، والغلام لا يعرف المتلمس ولا من كتب الصحيفة، فقرأها فقال: ثكلت المتلمس أمه، فانتزع المتلمس الصحيفة من يده، واتّبع طرفة فلم يلحقه (4) .
هو ربيعة بن الحارث العبدي (ص 125ج 21الأغاني) . أو المكعبر كما في الأغاني في موضع آخر (ص 126ج 21) ، وكان عامله على البحرين وعمان أو هو المعلى بن حنش العبدي كما في شرح المعلقات للزوزني ص 44ط 1925.
(2) ينكر الأستاذ الجارم في كلمة له نشرها في مجلة الكتاب عام 1947هذه الرواية الواردة في قتل طرفة، ويروى أن الملك بعث إلى كلّ منهما برسالة يدعوه فيها ويمنّيه الأماني، أما المتلمس فحذر فنجا وأما طرفة فصدق فهلك.
(3) نسبة إلى عباد وهي قبيلة كانت تسكن الحيرة وتعتنق النصرانية.
(4) هذه هي الرواية المشهورة، وذكرها صاحب الأغاني (ص 125ج 21) ، والجمهرة (ص 42) ،
3 -ألقى المتلمس الصحيفة في نهر الحيرة وسار هاربا إلى الشام وهو يقول: