فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 550

فاستأذنته في الدعاء له فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت:

أصاب الله ببرّك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سببا في ردّها إليه.

فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عديّ وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله، فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة، ورأيت خصالا تعجبني رأيته يحب الفقير، ويفكّ الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبيّا فللسابق فضله، وإن يكن ملكا فلن تزال في عزّ ملكه، فقدم عديّ إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.

ويروى (1) أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيىء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها فقال: والله لآتينّ من يحملها عني. وكان شريفا شاعرا شجاعا.

فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها (2) ، وإني حملتها في مالي وأهلي. فقدمت مالي وأخّرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فربّ حق قد قضيته، وهمّ قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك ثم أنشأ يقول: [الطويل]

حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لمّا أسلمني (3) البراجم

وقالوا سفاها: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم

متى آته فيها يقل لي مرحبا ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم (4)

فيحملها عنّي، وإن شئت زادني ... زيادة من جلّت عليه المكارم

يعيش الندي ما عاش حاتم طيىء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم

ينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حاتم

وقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم

ولكنه يعطي من أموال طيىء ... إذا جلف (5) المال الحقوق اللوازم

الأغاني ص 246ج 8، ذيل الأمالي ص 22، السمط ص 12.

(2) تواكلوا: اتّكل بعضهم على بعض.

(3) أسلمه: خذله. والبراجم: قوم من أولاد حنظلة بن مالك.

(4) الأشائم: ضدّ الميامن.

(5) جلف: ذهب به واستأصله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت