حدابير، وضنّت المراضع على أولادها، فما تبض (1) بقطرة، وحلقت (2) ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر (3) ، بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى (4) صبيتنا جوعا: عبد الله وعديّ وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعلّلني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.
فلما تهوّرت (5) النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت (6) ثم عاد. فقال حاتم:
من هذا؟ قالت: جاريتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.
فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها (7) .
فقام حاتم إلى فرسه فوجأ (8) لبّته بمدية فخرّ، ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحيّ يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة (9) وإنه لأحوج إليه منّا! فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول: [البسيط]
مهلا نوار أقلّي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات: ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا
يرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
ولما تزوج حاتم ماوية (10) ، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمنا، ثم إن ابن عمّ له يقال له مالك قال لماوية:
ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئا ليتلفنّه، ولئن لم يجد ليتكلّفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلّقي حاتما وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه تبض: تسيل قليلا قليلا.
(2) التلحيق: وجع يصيب الحلق وهو كناية عن الفقن والمسغبة.
(3) صنبر: باردة.
(4) تضاغوا: تصايحوا.
(5) تهوّرت: انحدرت إلى المغرب.
(6) الكسر: الشقّة السفلى من الخباء.
(7) الرئال: أولاد النعام.
(8) وجأ: طعن.
(9) مزعة: القطعة من اللحم. وإن نافية بمعنى ما.
(10) ذيل الأمالي ص 153.