أخرى كثيرة في نواحي الأرض وأطرافها وجال الدنيا كلها ووطئها فلم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها وبنى بها مدينه عظيمه وجعل عليها سورا أثره باق وهي المدينه التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي وأقام بالإسكندرية راغبا عن بقاع الأرض كلها وعن بلاده ووطنه
وذكر بعض أهل العلم إنها لم تزل مستقره منذ نزلها حتى مات بها وحمل منها فدفن بالإسكندريه لمكان ولدته فإنها كانت إذ ذاك باقيه هناك
وقد كان ملوك الفرس لهم حسن التدبير والسياسة والنظر في الممالك واختيار المنازل فكلهم اختار المدائن وما جاورها لصحة تربتها وطيب هوائها واجتماع مصب دجلة والفرات بها
ويذكر عن الحكماء أنهم كانوا يقولون إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل تبين في بدنه قوة وإذا أقام بين دجلة والفرات بأرض بابل تبين في عقله زياده وفي فطنته ذكاء وحدة وذلك الذي أورث أهل بغداد الإختصاص بحسن الأخلاق والتفرد بجميل الأوصاف وقل ما إجتمع اثنان متشاكلان وكان أحدهما بغدادي إلا كان هو المقدم في لطف الفطنه وحسن الحيلة وحلاوة القول وسهولة البذل ووجد إلينهما جانبا وأجملهما معاشرة
وكان حكم المدائن إذ كانت عامرة آهلة هذا الحكم ولم تزل دار مملكة الأكاسرة ومحل كبار الأساورة ولهم بها آثار عظيمه وأبنيه قديمه منها الإيوان الذي لم ير في معناه أحسن منه صنعة ولا أعجب عملا وقد أحسن في وصفه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري في قصيدة له على ما روي السين يقال إنه ليس للعرب سينية مثلها ووصف ايضا معه القصر الأبيض وما كان مصورا فيه من الصور العجيبة والتماثيل البديعة والصنائع الغريبة فأبدع في وصف ذلك وأحسن ما شاء فقال