هذا هو دليل المزارعة المشهور، وهو يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون ذلك مختصًا بالأرض المزروعة نخلًا كما هو الشأن في أرض خيبر.
الثاني: أن يكون ذلك عامًا في كل أرض سواء كانت مغروسة أولا.
وقد اختلفت وجهة نظر المجتهدين على بناء هذا الاحتمال فمن منع المزارعة بمعنى تأجير الأرض بما يخرج منها أو تاجير العامل بما يخرج من الأرض تمسك بالأحاديث الدالة على النهى عن تاجير الأرض بما يخرج منها أو تأجير العامل بما ينتج من عمله لأن ذلك تأجير بمجهول لجواز أن لا تخرج الأرض شيئًا من الزرع فيضيع على العامل عمله.
والشريعة الإسلامية تحث الناس دائمًا على أن تكون معاملتهم واضحة جلية حتى ترتفع من بينهم أسباب الشكوى والخصام، وتحث أيضًا على الرفق بالعامل فلا يصح أن تجعل عمله معلقًا في ميزان القدر بل لا بد أن يكون ضامنًا لشيجة وجهوده وكده، وبيان ما سيحصل عليه من أجر.
أما ما ورد، في حديث ابن عمر ونحو بأرض خيبر وهي مزروعة نخلًا له ثمر معروف، فكان العامل على تنميتها وسقيها وهو واثق من نتتيجة عمله، وهذه هى المسافاة التى سيأتى بيانها، ولا خلاف في جوازها فلا يصح أن يقاس عليها الأرض التي لا زرع بها أصلًا أو الأرض التي ينبت بها ضعيف.
أما من اجاز المزارعة بالمعنى المذكور وهو تأجير الأرض بما يخرج منها فقد رأى أن الحديث عام وليس فيه ما يدل على الجواز خاص بهذه الأرض بدون غيرها، ولأن العلة وهي كون الأجرة مجهولة موجودة أيضًا في المساقاة، فإنه يجوز أن لا يجوز أن لا يثمر النخل أو يشيص أو تجتاحه آفة فيضيع على العامل عمله.
على أن الذي منع المزارعة بالمعنى النتقدم أجازها تبعًا للمساقاة، وفيها تاجير الأرض بمجهول على أى حال. وحينئذ تكون المزارعة مستثناة من منع التأجير بمجهول كالمساقاة، لما في ذلك من مصلحة الناس وعدم الحرج، فإن بعضهم قد يملك أرضًا وليس له قدرة على زرعها ولا يجد من يستأجرها: وبعضهم لا يملك أرضًا ولكن له قدرة على الزرع ويرغب في زرع الأرض على أن يكون لكل منهما نصيب شائع معلوم مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيقنا عليهما ما فيه سعة وليس للشريعة الإسلامية غرض في ذلك إنما غرضها مصلحة الناس وراحتهم والتوسعة عليهم.
هذا بيان وجهة نظر كل من الأئمة المتازعين في جواز المزارعة (أو تأجير الأرض بما