آية آل عمران: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة. واتقوا الله لعلكم تفلحون} . وهذا خطأ صريح لأن الغرض من الآية الكريمة إنما هو التنفير من أكل الربا، ولفت نظر المرابين لما عساه أن يؤول إليه أمر الربا من التضعيف الذي قد يستغرق مال المدين، فيصبح لمرور الزمن وتراكم فوائد الربا فقيرًا بائسًا عاطلًا في هذه الحياة بسبب هذا النوع الفاسد من المعاملة، وفي ذلك من الضرر على نظام العمران ما لا يخفى، ولا يكاد يتصور عاقل أن الله تعالى ينهى عن ثلاثة أضعاف، ولا ينهى عن الضعفين أو الضعف، على أنه لا يمكن لعاقل أن يفهم هذا المعنى بعد قول الله تعالى: {فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} .
وأغرب من هذا ما يزعم بعضهم من أن القرض بفائدة ليس من باب الربا، لأن الربا عقد بيع لا بد له من صيغة أو ما يقوم مقامها، وما يتعامل به الناس الآن من أخذ المال قرضًا بفائدة ليس بيعًا وقد صرح الشافعية بذلك، ولكن قد فات هذا أن الفقهاء الذين قالوا: إن مثل ذلك ليس بعقد قالوا أيضًا: إنه من باب أكل أموال الناس بالباطل، وإن مضار الربا الذي حرم من أجلها متحققة فيه فحرمته كحرمة الربا، وإثمه كإثمه فالمسألة شكلية لا غير وأما تحريم ربا النساء من السنة فقد وردت فيه أحاديث كثيرة صحيحة.
ومنها في الذهب والفضة قوله صلى الله عليه وسلم:"الذهب بالذهب ربا إلا هاء ومعنى ها: خذ وهات يدًا بيد فهي اسم فعل. فلا يصح تأجيل البدلة فيه، على أنه حديث الذهب بالذهب والفضة الخ، يدل على حرمة ربا النساء. والفضل في الذهب والفضة والطعام."
وسيأتي بيانه في مبحث ربا الفضل.
أما ربا الفضل وهو أن يبيع أحد الجنسين بمثله بدون تأخير في القبض فهو حرام في المذاهب الأربعة، ولكن بعض الصحابة أجازه، ومنهم سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، على أن بعضهم نقل أنه رجع عن رأيه أخيرًا وقال بحرمته أيضًا، على أن ربا الفضل ليس له كبير الأثر في المعاملة لقلة وقوعه، لأن ليس من مقاصد الناس أن يشتري الواحد شيئًا بجنسه أو يبيعه إلا إذا كان في أحد الجنسين معنى زائد يريد كل واحد من المتعاقدين أن ينتفع به. وإنما حرم ذلك لما عساه أن يوجد من التحايل والتلبيس على بعض ضعاف العقول، فيزين لهم بعض الدهاة أن هذا الإردب من القمح مثلًا يساوي ثلاثة لجودته، أو هذه القطعة المنقوشة نقشًا بديعًا من الذهب تساوي زنتها مرتين، وفي ذلك من الغبن بالناس والإضرار بهم مالا يخفى، والأصل في تحريمه قوله عليه الصلاة والسلام:"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر"