ثانيهما: إنفاق المال الذي ينتفع به الناس ومصلحة الاتفاق تحقق بحصوله من أي شخص فمن نظر إلى الحالة الأولى ملحقًا بالقسم الأول فقال: إن الحج لا تصح فيه الإنابة وبذلك قال مالك: فمن حج عن شخص لا ينفعه في إسقاط الفريضة وإنما له ثواب الإنفاق والدعاء، وقد قطع النظر عن الإنفاق لأنه أمر عارض بدليل أن المكي يحج بلا مال.
وأما من نظر إلى المعنى الثاني وهو الإنفاق - كالإمام الشافعي - فإنه يقول بجواز الحج عن الغير وذلك لأن القربة المالية لا تنفك غالبًا عن السفر فلا ينظر إلى المكي الذي يحج بلا نفقه لأن ذلك نادر.
وأما الصيغة فلها اعتبارات ثلاثة وذلك لأنه إما أن ينظر إليها بالنسبة إلى جانب الموكل. أو بانسبة إلى جانب الوكيل. أو بالنسبة إلى جانب الموكل فيه. فإن نظر إليها بالنسبة للموكل فإنه يشترط لها أن تدل على معنى الوكالة عرفًا أو لغة أو عادة فإذا خالفت اللغة العرف يعمل بالعرف ولا ينظر للغة.
ولا يشترط لها أن تكون بلفظ مخصوص فإذا قال له: وكلتك أو أنت وكيل عني فإنه يصح. وكذا إذا قال له: تصرف عني بالفظ تصح بإشارة الأخرس أو الممنوع عن الكلام بسبب من الأسباب. ومثل انعقاد باعادة أن يكون لأخوين دار مملوكة لهما وقد جرت أحدهما أن يؤجرها ويقبض أجرتها فإنه يعتبر وكيلًا عن أخيه ويصدق في دعواه أنه أعطاه من الأجرة ما لم يثبت أنه متعدّ.
أما إن نظر إلى الصيغة بالنسبة للوكيل فإنه يشترط أن يقترن بها من جانب الوكيل ما يدل على قبول التوكيل. وهل قبول الوكيل يجب أن يكون فورًا، أو يصح مع التراخي؟ خلاف. والتحقيق أنه ينظر في ذلك العرف والعادة فإن كانت الصيغة الصادرة من الموكل تستدعي الجواب فورًا في العرف فإنه يجب أن يكون قبول الوكيل فورًا وإلا فلا.
وأما إذا نظر إلى الصيغة بالنسبة للموكل فيه يجب أن يكون معلومًا سواء كانت الوكالة متعلقة بأمر عام كما إذا فوض له التصرف. أو كانت متعلقة بشيء خاص كما إذا وكله في بيع سلعة خاصة أو طلب حق خاص ونحو ذلك.
أما طريق علم الموكل فيه فإنه يكون بلفظ يدل عليه أو لغة وقد عرفت أن العرف مقدم على اللغة إذا خالفها ويقوم مقام اللفظ إشارة الأخرس أو غير القادر بأي سبب فإذا قال له: أنت وكيلي أو كلتك ولم يبين الشيء الذي وكله فيه ولا قرينة تدل عليه ولا عرف بين الناس فيه فإنه لا يكفي في صحة الوكالة وإن كان لفظ وكلتك يدل على الوكالة لغة لأنه اعتبار للغة ما لم يؤيدها العرف فلا بد من بيان الموكل فيه بصيغة عامة أو خاصة.
مثال الأولى: أن يقول له: وكلتك وكالة مفوضة أو وكلتك في جميع أموري أو أقمتك مقامي في أموري أو نحو ذلك مما يدل على التوكيل العام.
ومثال الثانية: أن يقول له: وكلتك في شراء هذه الدار أو المطالبة لي بحقي الذي عند فلان أو