يصح أن يكون ذلك مهرًا على الصواب، وذلك لأنهم قالوا في الإجارة: لا يجوز للولد أن يستأجر أباه للخدمة، ولكن يجوز أن يستأجره للرعي، والزراعة، لأنه لا امتهان في الحالة.
وليس من الخدمة المهينة أيضًا أن يتزوجها على أن يرعى غنم أبيها، كما وقع لموسى مع شعيب عليهما السلام، مما قصه الله علينا في القرآن، وشرع من قبلنا شرع لنا عند عدم ناسخ، وفي هذه الحالة يضمن الولي للزوجة مهر المثل.
وإذا تزوجها على خدمة امرأة حرة، فإنه يصح متى رضيت المرأة، أما إذا تزوجها على أن يخدمها رجل حر غيره برضاء ذلك الرجل، مدة معينة. فإن ترتب على خدمة ذلك الرجل الأجنبي مخالطة تفضي إلى الانكشاف والفتنة. فإنه لا يجوز ويكون للزوجة قيمة خدمته مهرًا وإن لم يترتب عليها هذا المحظور، فإنه يصح وتسلم إليها خدمته، وإذا لم يرض ذلك الرجل بالخدمة، ثبت للمرأة قيمة الخدمة، ومثل ذلك ما إذا تزوجها، على أن يخدمها رجل حر مدة غير معينة. فإن فيها التفصيل المتقدم، من الجواز عند عدم الفتنة، والمنع عند الفتنة.
المالكية - قالوا: إن المهر يصح أن يكون عينًا من ذهب. أو فضة. أو عرض تجارة. أو حيوان. أو دار. أو نحو ذلك، وأما المنافع من تعليمها القرآن ونحوه. أو سكنى الدار. أو خدمة العبد، ففيها خلاف، فقال مالك: إنها لا تصلح مهرًا ابتداء أن يسميها مهرًا وقال ابن القاسم: تصلح مهرًا مع الكراهة وبعض الأئمة المالكية يجيزها بلا كراهة والمعتمد قول مالك طبعًا. ولكن إذا سمى شخص منفعة من هذه المنافع مهرًا، فإن العقد يصح على المعتمد، ويثبت للمرأة المنفعة التي سميت لها، وهذا هو المشهور، فالمالكية ينظرون إلى قول مالك فينهون عن جعل المهر منفعة ابتداء، وينظرون إلى قول من أجاز فيعملون به بعد الوقوع بالفعل.
الشافعية - قالوا: يصح الصداق بالمنفعة، والقاعدة عندهم أن كل ما صح ثمنًا في البيع صح صداقًا، فيصح أن يشتري دارًا بمنفعة أرضه الزراعية مدة معلومة، فكذلك يصح أن تجعل هذه المنفعة صداقًا، فكل عمل يستأجر عليه من تعليم قرآن. وفقه. ونحوهما، وتعليم صناعة، كنسج. وخياطة، أو يتزوجها على أن يخيط لها ثوبًا أو يبني لها دارًا، أو يقوم لها بالخدمة، ولو حرًا، فإنه يصح أن يكون صداقًا، كما يصح أن يكون ثمنًا.
وقد أورد على قولهم: كل ما صح ثمنًا، صح صداقًا، انه لو تزوج عبد امرأة حرة على أن يكون مملوكًا لها، فإنه لا يصح، بل يبطل النكاح، لأن كونه مملوكًا ينافي كونه زوجًا لها، إذ لا يجوز أن يتزوج العبد سيدته، ولكن العبد يصح أن يكون ثمنًا لشيء آخر، فقولهم: كل ما يصح ثمنًا، يصح مهرًا لا يطرد، وأيضًا لو جامع شخص أمه بشبهة، وجاءت منه بولد، ثم اشتراها وكبر ولده، فأراد أن يجعلها مهرًا لابنه في عقد زواجه، فإنه لا يصح، لأن معنى ذلك أنها تدخل في الولد أولًا حتى يصح كونها صداقًا، ومتى ملكها عتقت عليه، وبذلك تكون حرة فلا تصلح أن تكون صداقًا، وهي تصح أن تكون ثمنًا لشيء آخر.