التأويل فيما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب بأن رجم الزاني المحصن نزل في كتاب الله، فقال: إن معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رجم فعلًا، والله تعالى قال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فيكون الرجم على هذا مذكورًا في كتاب الله، أما ما نقله البخاري تعليقًا من أن الذي كان في كتاب الله ورفع لفظه دون معناه، فهو - الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة الخ - فإنني لا أتردد في نفيه لأن الذي يسمعه لأول وهلة يجزم بأنه كلام مصنوع لا قيمة له بجانب كلام الله الذي بلغ النهاية في الفصاحة والبلاغة، فضلًا عن كونه لا ينتج
الغرض المطلوب فإن الرجم شرطه الإحصان، والشيخ في اللغة من بلغ سن الأربعين، فمقتضى هذا أنه يرجم ولو كان بكرًا لم يتزوج، وكذا إذا زنا الفتى في سن العشرين مثلًا وهو متزوج فإنه لا يرجم، فمثل هذه الكلمة لا يصح
مطلقًا أن يقال: إنها من كتاب الله.
والحاصل أن الأخبار التي جاء فيها ذكر كلمة من كتاب الله على أنها كانت فيه ونسخت في عهد رسول الله فهذه لا يطلق عليها أنها قرآن ولا تعطى حكم القرآن باتفاق، ثم ينظر إن كان يمكن تأويلها بما يخرجها عن كونها قرآنًا، فإن الإخبار بها يعطى حكم الحديث، وإن لم يمكن تأويلها فالذي أعتقده أنها لا تصلح للدلالة على حكم شرعي لأن دلالتها موقوفة على ثبوت صيغتها وصيغتها يصح نفيها باتفاق، فكيف يمكن الاستدلال بها؟ فالخير كل الخير في ترك مثل هذه الروايات. أما الأخبار التي فيها أن بعض القرآن المتواتر ليس منه، أو أن بعصًا منه قد حذف فالواجب على كل مسلم تكذيبها بتاتًا. والدعاء على راويها بسوء المصير، لأن إدخال شيء في كتاب الله ليس منه، وإخراج شيء منه ردة نعوذ بالله منها.
وأما الدليل الثاني، وهو ما رواه مسلم من أن الرضعة أو الرضعتين لا يحرم، فقد رده الحنفية والمالكية فقالوا: إما أن يكون منسوخًا أو تكون روايته غير صحيحة. وذلك لأن الله تعالى قال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} فالله سبحانه لم يقيد الرضاعة بأي مقدار.
وقد روي عن ابن عمر أنه قيل له: أن ابن الزبير يقول: ولا بأس بالرضعة أو الرضعتين فقال قضاء الله خير من قضائه، قال تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} واستدلال ابن عمر بهذه الآية فيه رد للحديث المذكور"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان"إما بنسخ هذا الحديث وإما أن تكون الرواية غير صحيحة، وظاهر هذا أن إطلاق الكتاب الكريم في مقام التشريع والبيان لا يصح تقييده بخبر الواحد، لما عرفت من أن الأحاديث الظنية لا يصح أن تعارض المتواتر، ولهذا قال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، لأن ابن الزبير لم يقل ذلك من تلقاء نفسه، بل لا بد أن يكون مستمسكًا بحديث، فقال له ابن عمر: إن كتاب الله هو الذي يجب العمل به، وحيث ورد مطلقًا فلا يقيده الحديث، ثم لينظر بعد ذلك للحديث، فإما أن تكون رواية غير صحيحة، وبذلك ينتهي الإشكال، وإما أن يكون صحيحًا ولكنه نسخ بهذه الآية أو بحديث آخر، وفي هذا كلام في علم الأصول ليس هذا محله.
وأما الشرط الثاني المتعلق بحالة اللبن وكيفية وصوله إلى جوف الطفل: فهو أنه يشترط أن يصل