فهرس الكتاب

الصفحة 1758 من 2230

كما هو الشأن في أحكام الشريعة الإسلامية، ففرض على المرأة أن تنتظر سنة بعد وفاة زوجها، فلما استقر ذلك الحكم في أنفسهم أنزل العدة إلى أربعة أشهر وعشرًا وهي أقل مدة ممكنة، وجعلها حكمًا مستمرًا، وإنما قدرت بهذا العدد بخصوصه، لأنك قد عرفت أن الغرض من مشروعية العدة براءة الرحم من جهة، وحقوق الزوجية من جهة أخرى، ولما كان الولد في أول خلقه يمكث في الرحم أربعين يومًا نطفة، وأربعين بومًا علقة، وأربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح التي بها الحياة، والحس، والحركة، فقد قدر لبراءة الرحم هذه الأشهر الأربعة مضافًا إليها عشرة أيام تظهر فيها حركته، فتتحقق المرأة من شغل الرحم وعدمه بعد هذه العدة، وتؤدي حقوق الزوج وأهله، ولا يقال: إن هذا التعليل إنما يصح إذا كانت المرأة من ذوات الحيض المستعدات للحمل، أما إذا كانت صغيرة لا تحيض، أو آيسة، أو كانت غير مدخول بها، فإن هذا التعليل لا ينطبق عليها، لأنا نقول: إن هذه المدة وإن كانت لذوات الحيض، ولكن جعلت مقياسًا عامًا للجميع، طردًا للباب على وتيرة واحدة.

ولا يخفى حسن التعليل ونفاسته، ومنه يتضح أن الظاهر المعقول يؤيد رأي علي، وابن عباس رضي الله عنهما، فإن المرأة إذا وضعت حملها في الأسبوع الأول مثلًا من وفاة زوجها وتزوجت بغيره لم يكن لضرب مدة الأربعة أشهر وعشر للمتوفى عنها زوجها فائدة مع أن فائدته ظاهرة، وهي احترام علاقة الزوجية وتعظيمها بين الناس، والحرص على قلوب أهل الزوج المتوفى من التصدع، ولا يقال: إنه قد توجد ظروف قاسية توجب الرحمة بالزوجة والشفقة عليها، وتجعل زواجها سريعًا أمرًا ضروريًا لحياتها، خصوصًا إذا وجدت الزوج الكفء الذي لا يصبر، وقد يضيع منها، ولكنا نقول: إن هذا الكلام يأتي في غير الحامل أيضًا إذ ربما تكون في حالة تحتاج معها للزواج. ومع ذلك فإنه لا يحل لها أن تتزوج إلا بعد انقضاء أربعة شهور وعشرة أيام مهما وجد الكفء أو ذهب، ومهما توقفت حياتها عليه، ولكن الأئمة الأربعة لم ينظروا إلى هذه العلل فلذا قالوا: إن العدة أمر تعبدي ليست له حكمة ظاهرة ولكني أعتقد أن قضايا الشريعة السمحة قسمان: قسم يتعلق بالعبادات، وهذه يصح أن يقال فيها: إنها أمور تعبدية، لأنها جميعها أمارات للخضوع والخشوع، والسلطان له أن يضع منها ما يريد بدون أن يقال له: لم فعلت هذه الرسوم دون تلك، وقسم يتعلق بمعاملات الناس بعضهم بعضًا من بيع وشراء وأحوال شخصية، وهذه لا بد لها من حكمة معقولة تناسب أحوال الناس ومصالحهم على أن العبادات في الشريعة الإسلامية قد اشتملت على كثير من الحكم الظاهرة والأسرار البديعة، كما هو ظاهر لمن يتتبع أسرار الطهارة، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، فإن منافعها المادية والأدبية ظاهرة في المجتمع الإنساني ظهور الشمس في رابعة النهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت