أما الذي يعلم أن نتيجة عدوانه عقوبة بالسجن القليل، فإنه لا يبالي بتكرار فعله مع كثيرين، فيزيد أرباب العاهات والمجرمون معًا، على أن السجن إذا طال أمده فإنه يكون من شر الآفات التي تقضي على حياة المجرم، فإنه يصبح عاطلًا مستهترًا بالجرائم، كما هو مشاهد في كثير من متعودي الإجرام والسجون فمتى أمكن القصاص بالتساوي بين العضوين، كان من العدل أن يقتص من الجاني بمثل جنايته، وإن لم يمكن كان للحاكم أن يعزره بما يراه زاجرًا له عن العودة، ورادعًا للأشرار عن ارتكاب الجرائم. على أنك قد عرفت أن القصاص في نظر الشريعة الإسلامية حق المعتدى عليه، فله أن يصطلح مع خصمه على مال أو غيره، أو يعفو عنه.
فإذا رأى الحاكم أن العفو يترتب عليه ضرر بالأمن، فله أن يتخذ الوسائل التي يراها لصيانة الأمن.
وفي قطع الذكر فاتت على الشخص منفعة الوطء، والإيلاد، واستمساك البول، والرمي به عن جسده، وفق الماء، والإيلاج الذي هو طريق الاعلاق عادة، وغير ذلك، وإن شق الذكر طولًا، فأبطل منفعته وجبت فيه دية كاملة، كما لو ضربه على ذكره فأشله، وإن تعذر بضربه الجماع به، لا الانقباض والانبساط فتجب حكومة عد، لأنه ونفعته باقيان والخلل في غيرهما، فلو قطعه قاطع بعد ذلك، فعليه القصاص، أو كمال الدية.
وفي العقل إذا ذهب بالضرب عمدًا، أو خطأ دية كاملة، وقد قضى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بذلك، ولفوات منفعة الإدراك إذ به ينتفع بنفسه في معاشه ومعاده، وذلك إذا لم يرج عوده بقول أهل الخبرة في مدة يظن أنه يعيش إليها، كما جاء في خبر عمرو بن حزم.
وقل أبن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على ذلك، لأن العقل أشرف المعاني، والأعضاء، وبه يتميز الإنسان عن البهائم، ويعقله عن الوقوع في الدنايا، والمراد العقل الغريزي الذي به التكليف دون المكتسب الذي به حسن التصرف، ففيه حكومة، فإن رجي عوده في المدة المذكورة انتظر، فإن عاد فلا ضمان، كما في سن من لم ينفر، وفي إزالة بعضه بعض الدية بالقسط إن ضبط بزمان كأن كان يجن يومًا، ويفيق يومًا، أو بغيره، كأن يقابل صواب قوله، وفعله بالمختل منهما، وتعرف النسبة بينهما، فإن لم ينضبط فحكومة يقدرها الحاكم باجتهاده، فإن ما في أثناء المدة المقدر عوده فيها وجبت ديته كاملة، ولا يجب القصاص فيه للاختلاف في محله، فقيل محله - القلب - وقيل: الدماغ وقيل: مشترك بينهما، والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنه الدماغ وتدبيره القلب، ويسمى عقلًا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، ولا يراد شيء على دية العقل أن زال بما لا أرش له، كأن ضرب رأسه، أو لطمه لكن يجب تعذيره في الأصح.
فإن زال العقل الغريزي بجرح له أرش مقدر كالموضحة، أو حكومة كالباضعة، وجبت الدية