الدين وإن استغرق كل ماله وطلب الغرماء الحجر عليه، ويعمل الحجر فيه شيئًا فيصح أن يتصرف في ماله بجميع أنواع التصرف.
ومثل الحجر بسبب الدين: الحجر بسبب الغفلة، والغفلة هي: كون الشخص لا يتهدي إلى التصرفات الرائجة في بيعه وشرائه فيغير فيهما لسلامة قلبه وهي غير السفه، لأن السفيه هو المفسد لماله بالقصد والاختيار لتغلب الشهوات الفاسدة عليه واتباعه الغي والهوى أما ذو الغفلة"المغفل"فهو لا يفسد ماله قصدًا ولا ينقاد لشهواته، ولكنه يخدع بسهولة فيستطيع الناس أن يغبنوه في ماله وليس هو المعتوه؛ لأن المعتوه يخلط في كلامه. وقد عرفت أن الإمام لا يرى الحجر على مثل هذا أيضًا.
الشافعية - قالوا: يحجر على المدين بسبب الدين إن كان الدين أكثر من ماله، أما إن كان ماله أكثر أو مساوٍ فإنه لا يصح الحجر عليه، ولا يحجر إلا إذا طلب الغرماء الحجر كلهم أو بعضهم، أو طلب هو الحجر على نفسه"كالمفلس الذي يشهر إفلاسه"ولا يصح الحجر إلا إذا حل الدين، أما إذا كان باقيًا عليه مدة فإنه لا يصح.
ومتى طلب الغرماء الحجر فإنه يجب على القاضي أن يحجر على المفلس حالًا. ومتى حجر عليه تعلق حق الغرماء بماله وصار ممنوعًا من التصرف فيه، فيبطل تصرفه من بيع وهبة ونحوهما حتى يقبض دينه.
ويصح للمفلس المحجور عليه أن يتزوج ويبقى المهر دينًا في ذمته لا في المال الذي تحت يده وكذلك يصح خلعه وطلاقه ونحو ذلك، وإذا أقر بدين عليه قبل الحجر فالأظهر أنه يقبل إقراره ويكون صاحب الدين شريكًا لباقي الدائنين، أما إذا قال: إنه استدان بعد الحجر فإن إقراره لا يقبل، وإذا أقر بجناية لها عوض مالي بعد الحجر فإنه يقبل منه ويشارك المجني عليه الدائنين.
وإذا كان المحجور عليه بسبب الدين قد اشترى سلعة قبل الحجر ثم ظهر بها عيب فله أن يردها إن كانت المصلحة في ردها أما إذا كان العيب لا ينقص قيمتها وتساوؤ أكثر من الثمن الذي اشتراها به مع ذلك العيب فلا يجوز ردها.
ويستحب أن يبادر القاضي ببيع مال المفلس، ولا يشترط أن يكون المدين حاضرًا وكذلك الدائنون وإنما يسن ذلك، ويجب أن يكون البيع بثمن المثل، وأن يكون الثمن حالًا لا مؤجلًا فإذا لم يكن كذلك، فإنه لا يصح البيع إلا برضاء المدين والدائنين، وإذا لم يوجد مشتر بثمن المثل حالًا فإنه يجب الصبر إذا كان فيه أمل بأن يوجد له مشتر بثمن الحال، وما يتحصل من الثمن بعد البيع يقسم على الدائنين بنسبة ديونهم.
وإذا قسم ماله على الدائنين ثم ظهر غيرهم فإنه يشاركهم فيما أخذوه بنسبة دينه، فيأخذ من كل واحد منهم نصيبًا بنسبة ذلك.
المالكية - قالوا: الدين سبب من أسباب الحجر، بشرط أن يستغرق الدين مال المدين ويزيد عليه، واختلف فيما إذا كان مساويًا له فقيل: إنه يكون سببًا في الحجر، وقيل: لا، واستظهر أنه يكون