إذا نظرنا في قواعد الأصول وقواعد الفقه رأينا أن فروقًا عدة تميز بينهما منها:
أولًا: أن قواعد الأصول تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها، وأما قواعد الفقه فتتعلق بالأحكام ذاتها.
ثانيًا: أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية. وأما قواعد الفقه فإنما يراد بها ربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد وحكم واحد هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله.
ثالثًا: أن قواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية. وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية.
وأما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلًا لها.
رابعًا: أن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله، وأما قواعد الفقه فليست محصورة أو محدودة العدد، بل هي كثيرة جدًا منثورة في كتب الفقه العام وكتب الفتاوى في جميع المذاهب.
خامسًا: أن قواعد الأصول إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء فهي قواعد كلية مطردة - كقواعد العربية - بلا خلاف.
وأما قواعد الفقه فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب كالاستثناء بالنص، أو الإجماع، أو الضرورة، أو غير ذلك من أسباب الاستثناء، ولذلك يطلق عليها كثيرون بأنها قواعد أغلبية أكثرية لا كليَّة مطردة.
ومع وضوح الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية فقد نجد قواعد مشتركة بين العلمين ولكن تختلف فيهما زاوية النظر، حيث إن القاعدة الأصولية ينظر إليها من حيث كونها دليلًا إجماليًا يستنبط منه حُكم كلي، والقاعدة الفقهية ينظر إليها من حيث كونها حكمًا جزئيًا لفعل من أفعال المكلفين.
فمثلًا قاعدة: [الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد] :
ينظر إليها الأصولي من حيث كونها دليلًا يعتمد عليه في بيان عدم جواز نقض أحكام القضاة وفتاوى المفتين إذا تعلقت بها الأحكام على سبيل العموم والإجمال. وينظر إليها الفقيه من