وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [1] فقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب بيّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مسح كل رأسه ولم يقتصر على مسح بعض الرأس"بدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" [2] فمسح كل رأسه.
مثال الاستحباب: قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [3] هذا أمر بيّنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتى المقام قرأ قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وصلى خلف المقام ركعتين [4] وحكم ركعتي الطواف خلف المقام السنية بالإجماع فالعلماء مجمعون على أن صلاة ركعتي الطواف خلف المقام سنة فهذا الأمر مصروف عن الوجوب بالإجماع، فيكون فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مبيّنًا لهذا الأمر، وهذا الأمر، للاستحباب فيأخذ حكمه وهو الاستحباب.
30 -وادفعْ خفيفَ الضَّرَرَيْنِ بالأخفْ ... وخذْ بعالِي الفاضَليْنِ لا تَخَفْ
عندنا هنا تزاحم المصالح، وتزاحم المفاسد.
فالمصالح: هي أوامر الشرع. والمفاسد: هي نواهي الشرع.
فعندنا في هذا الشطر قاعدتان: [أنه عند تزاحم المصالح نقدم الأعلى منها] و [وعند تزاحم المفاسد نقدم الأخف منها] ويقول السعدي رحمه الله:
فإن تزاحم عدد المصالح ... يُقدم الأعلى من المصالح [5]
وضده تزاحم المفاسد ... يرتكب الأدنى من المفاسد [6]
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) أخرجه البخاري رقم (185) ، ومسلم رقم (235) .
(3) سورة البقرة، الآية: 125.
(4) أخرجه مسلم رقم (1218) .
(5) منظومة القواعد الفقهية للسعدي، البيت رقم (13) .
(6) نفس المرجع، البيت رقم (14) .