يقول الشيخ رحمه الله: المعتبر في باب العبادات الظن، وأما المعتبر في باب المعاملات فنفس الأمر. قال ابن رجب رحمه الله في القواعد في قاعدة ترجم لها بقوله: (من تصرف في شيء يظن أنه لا يملكه، ثم تبين له أنه يملكه) .
ودليل ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها في صفة غُسل النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت عائشة رضي الله عنها:"حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات" [1] فدل ذلك على أن العبادات يُكتفى فيها بالظن، فلو وقعت على ثوب إنسان نجاسة فنقول: يغسل حتى يظن أنها قد زالت فإذا ظن ذلك كفى، وكذلك إذا أصاب المسلم موجب من موجبات الغسل كجنابة، أو حيض، أو نفاس ... إلخ فإنه يفيض الماء على بدنه حتى يظن أنه قد عمّ بدنه بالماء، فإذا ظن أنه قد عمّ بدنه بالماء فإن هذا كاف، وكذلك في الوضوء؛ فلو توضأ الإنسان فإنه يغسل أعضاءه الأربعة حتى إذا ظن أنه قد أسبغ كفى ذلك.
وكذلك في الصيام له أن يأكل إذا ظن أن الشمس قد غربت؛ ولهذا في حديث أسماء رضي الله عنها قالت:"أفطرنا على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم، ثم طلعت الشمس". [2]
فهنا بنوا على الظن ولو بنوا على اليقين ما طلعت الشمس.
وكذلك في الحج؛ إذا رمى الإنسان الجمار فظن أن الحصى وصلت المرمى فإن ذلك كاف، أو ظن أنه طاف سبعة أشواط فإن ذلك كاف ... إلخ، وعلى هذا فقس، وأما في المعاملات فالعبرة بما في نفس الأمر، وذكر ابن رجب رحمه الله وغيره صورًا وأمثلة لهذا:
المثال الأول: لو باع شخصٌ سلعة شخص، ولم يوَكّله هذا الشخص في بيعه، فالأصل أن العقد لا يصح؛ لأن العقد ليس من المالك ولا من يقوم مقام المالك، لكن إذا تبين أن المالك قد وكّله في البيع فإن البيع صحيح اعتبارًا بما في نفس الأمر.
المثال الثاني: إنسان باع سلعة أبيه، وأبوه لم يوكله، ثم بعد ذلك تبين أن أباه قد مات وأنه ورث هذه السلعة ودخلت في ملكه، فإن العقد صحيح اعتبارًا بما في نفس الأمر،
(1) أخرجه البخاري رقم (272) ومسلم رقم (316) .
(2) أخرجه البخاري (1959) .