المثال الأول: قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا توضأتم أو لبستم فابدؤوا بميامنكم" [1] فإذا توضأ الإنسان، أو لبس هنا أمره أن يبدأ بيمينه لكن هذا في الإرشاد والأدب فحمله العلماء على الاستحباب.
المثال الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تخلف عن الصلاة وأناب أبا بكر رضي الله عنه، وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - خفة من مرضه فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخر لكي يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - من مقامه فأشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمكث فلم يمكث أبو بكر [2] ؛ لأن أبا بكر علم من إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس للإلزام وإنما أراد بذلك الإكرام فدل ذلك على أن الشيء إذا قُصد به الأدب والإكرام والإرشاد أنه لا يقتضي الوجوب، لكن إذا دلت القرائن على أن الشارع أراد بهذا الأمر الوجوب، أو النهي التحريم حتى ولو كان على سبيل الإرشاد والإكرام فإنه يبقى على الأصل.
ومن الأدلة على ذلك:
أن الشارع أمر بالأكل باليمين، ونهى عن الأكل بالشمال وهذا من باب الإرشاد والأدب قال - صلى الله عليه وسلم:"إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" [3] فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأكل والشرب باليمين ونهى عن الأكل والشرب بالشمال وأخبر أن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، هذا الأمر حسب ما ذكرنا أنه إذا قصد به الإرشاد والأدب يُحمل على الاستحباب لكن دلت قرينة على أن المراد به الوجوب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، ونحن منهيون عن اتباع خطوات الشيطان وموافقته؛ لأنه عدوٌ لنا فلا يكون إمامًا لنا.
(1) أخرجه أبو داود رقم (4141) وابن ماجه رقم (402) ، وابن خزيمة (1/ 91) ، وقال ابن الصلاح والنووي حديث حسن وإسناده جيد، وقال ابن دقيق العيد هو حقيق بأن يصحح، وصححه ابن الملقن البدر المنير (3/ 418) .
(2) أخرجه البخاري رقم (683) ، ومسلم (418) .
(3) أخرجه مسلم رقم (2020) .