قوله: [إلا إذا الندب أو الكره علم] : الأصل كما تقدم أن الأوامر تقتضي الوجوب وأن النواهي تقتضي التحريم إلا إذا وجد صارف وقد ذكر العلماء رحمهم الله الصوارف:
الصارف الأول: أن يدل الدليل على أن المراد بهذا الأمر الاستحباب ولا يراد به الوجوب وهذا له أمثلة كثيرة نذكر منها:
المثال الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه قال - صلى الله عليه وسلم:"إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال" [1] ، هنا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة بالله من هذه الأربع، ووجد أن الصارف الذي يدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع أنه للاستحباب وليس للوجوب وهو حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر التشهد الأول قال:"ثم لْيَتَخيّر من الدعاء أعجبه" [2] أي أعجب الدعاء إليه فدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع ليس واجبًا.
المثال الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"نهى أن يشرب الرجل قائمًا" [3] وشرِبَ النبي - صلى الله عليه وسلم - قائمًا [4] فدل ذلك على أن النهي هنا لا يدل على التحريم وإنما يدل على الكراهة.
الصارف الثاني: الإجماع قد يُجمع العلماء رحمهم الله على أن هذا الأمر لا يراد به الوجوب.
ومن الأمثلة على ذلك:
قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [5] هذا أمر ومع ذلك العلماء رحمهم الله مجمعون على أن الإنسان إذا حلّ من إحرامه لا يجب عليه أن يصطاد.
الصارف الثالث: إذا علمنا أن هذا الأمر، أو أن هذا النهي يُقصد به الإرشاد والأدب فإن هذا الأمر لا يقتضي الوجوب، وأن هذا النهي لا يقتضي التحريم اللهم، إلا إذا قامت قرينة تدل على أنه يقصد به الوجوب، أو يقصد به التحريم فإنه يبقى على الأصل، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ومن الأمثلة على ذلك:
(1) أخرجه مسلم رقم (588) .
(2) أخرجه البخاري رقم (835) ، ومسلم (402) .
(3) أخرجه مسلم رقم (2024) .
(4) أخرجه البخاري رقم (5615) .
(5) سورة المائدة، الآية: 2.