فالمرتبة الأولى للوجود إذا لم تمكن هذه المرتبة فالنفي للصحة هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليل يصرف هذا النفي إلى الكمال وأنه ليس
نفيًا للصحة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(من قال إن النفي للكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يُذم صاحبه
فقد صدق، وإن أراد الكمال المستحب في كلام الله
ولا كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ولا يجوز أن يقع). فإذا قلت: لا خالق إلا الله فالنفي هنا للوجود، يعني هناك خالق موجود غير الله عز وجل وإذا قلت: لا صلاة إلا بوضوء، الصلاة الآن موجودة فنقول: النفي هنا للصحة هذا الأصل إلا إذا وجد صارف ولم يوجد صارف. وقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا نكاح إلا بولي" [1] النفي هنا للصحة، وأن النكاح لا يصح إلا بولي إلا إذا وجد صارف ولم يوجد الصارفُ. وقوله - صلى الله عليه
وسلم - في حديث عائشة رضي الله"لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" [2] فالنفي هنا ليس للصحة، وإنما هو
للكمال
لوجود الصارف، وهو أن هذه الصلاة اكتملت شروطها وواجباتها، وأركانها، لكن لما وجد شيء يشوّش على الإنسان فالنفي هنا للكمال، فالكمال أن يمتنع الإنسان عن كل ما يشوش عليه صلاته، أما إذا كان هذا التشويش يؤدي إلى الإخلال بشرط، أو ركن كالطمأنينة فالنفي يبقى على أصله وهو أنه نفي للصحة.
كذلك
قوله:"لا صلاة لمنفرد خلف الصف" [3] نقول: النفي هنا للصحة؛ لأن الصلاة وجدت فلا يمكن أن يكون
للوجود، لكن النفي هنا للصحة وأن من صلى خلف الصف فصلاته غير صحيحة لقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة لمنفرد خلف الصف"إلا إذا وجد صارف وذلك فيما إذا كان الصف مكتملًا،
(1) أخرجه أبو داود رقم (2085) والترمذي رقم (1101) وابن ماجه رقم (1881) ، وصححه
علي بن المديني وابن معين وابن حبان والحاكم وابن حزم والبيهقي وابن عدي وابن الجوزي.
(2) تقدم تخريجه ص.
(3) رواه أحمد (4/ 228) وأبو داود رقم (682) والترمذي رقم (231) وابن حبان (3/ 313) وفي الباب عن علي بن شيبان أخرجه أحمد (4/ 23) وابن ماجه (1003) وحسن هذا الحديث الإمام أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن حزم والبوصيري، وقال ابن رجب(رواته
كلهم ثقات)وأخذ به ابن معين وعمل به.