ثانيًا: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) } [1] فقوله (عن أمره) هذا مفرد مضاف يشمل كل أوامر الله عز وجل فالذي يخالف الأمر هذا يحذر أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم.
قال الإمام أحمد رحمه الله: (أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك) [2] وتفسير الإمام أحمد رحمه الله الفتنة بالشرك تفسير بأعلى الفتن وإلا فإن الفتنة تشمل الشرك وغيره، فهذا الوعيد على من خالف أمر الله عز وجل وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يدل على أن الأصل في الأوامر الوجوب.
ثالثًا: من السنة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" [3] .
فقوله - صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق) دل على أن الأمر فيه مشقة ولا يكون فيه مشقة إلا إذا كان الأمر دالًا على الوجوب إذْ لو لم يدل على الوجوب لم يكن فيه مشقة وفي لفظ"عند كل وضوء" [4] فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الوجوب فلو كان يقتضي الاستحباب لم يكن فيه مشقة؛ لأن الإنسان يكون مخيرًا بين الفعل والترك والأفضل له أن يفعل.
رابعًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخّر صلاة العشاء ثم خرج فقال:"إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي". [5]
فهذا يدل على أن أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - تقتضي الوجوب؛ إذْ لو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن تؤدَّى صلاة العشاء في ذلك الوقت لكان في ذلك مشقة وترتُّب المشقة يدل على وجوبه.
خامسًا: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على امتثال أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - دون السؤال عما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأمره.
سادسًا: اللغة: فإنها تدل على ذلك فإن السيّد إذا أمر خادمه بأمر ثم بعد ذلك لم يمتثل لَحسُن لومه فكونه إذا ترك الامتثال يحسن لومه دل على أنه ترك واجبًا من الواجبات، وكذلك لو أن الأب أمر ابنه بأمر ثم بعد ذلك لم يمتثل لحسن لومه وتوبيخه فهذا يدل على أن
(1) سورة النور، الآية: 63.
(2) رواه ابن بطه في الإبانة الكبرى (97) .
(3) أخرجه البخاري رقم (887) ، ومسلم رقم (252) .
(4) أخرجه مالك في الموطأ (1/ 66) ، وأحمد في مسنده (2/ 460) ، والنسائي (1/ 12) .
(5) أخرجه مسلم رقم (638) .