بريء مما تشركون"حيث قام البرهان الصادق الواضح، على بطلانه."إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا"أي: لله وحده، مقبلا عليه، معرضا عن من سواه."وما أنا من المشركين""
فتبرأ من الشرك، وأذعن بالتوحيد، وأقام على ذلك البرهان. وهذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآيات هو الصواب. وهو أن المقام مقام مناظرة، من إبراهيم لقومه، وبيان بطلان إلهية هذه الأجرام العلوية وغيرها. وأما من قال: إنه مقام نظر في حال طفوليته، فليس عليه دليل."وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان"أي: أي فائدة لمحاجة من لم يتبين له الهدى؟ فأما من هداه الله، ووصل إلى أعلى درجات اليقين، فإنه ـ هو بنفسه ـ يدعو الناس إلى ما هو عليه."ولا أخاف ما تشركون به"فإنها لن تضرني، ولن تمنع عني من النفع شيئا.
"إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون"فتعلمون أنه ـ وحده ـ المعبود المستحق للعبودية."وكيف أخاف ما أشركتم"وحالها حال العجز، وعدم النفع،"ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا"أي: إلا بمجرد اتباع الهوى.
"فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون". قال الله تعالى فاصلا بين الفريقين:"الذين آمنوا ولم يلبسوا"أي: يخلطوا"إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"الأمن من المخاوف، والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم. فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاصي، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة. وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء.