"سبحانه"وتعالى"عما يشركون"أي: تنزه وتقدس، وتعالت عظمته عن شركهم وافترائهم، فإنهم ينتقصونه في ذلك، ويصفونه بما لا يليق بجلاله، والله تعالى العالي في أوصافه وأفعاله، عن كل ما نسب إليه، مما ينافي كماله المقدس. فلما تبين أنه لا حجة لهم على ما قالوه، ولا برهان لما أصلوه، وإنما هو مجرد قول قالوه، وافتراء افتروه أخبر أنهم"يريدون"بهذا"أن يطفئوا نور الله بأفواههم". ونور الله: دينه، الذي أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب. وسماه الله نورا، لأنه يستنار به في ظلمات الجهل، والأديان الباطلة. فإنه علم بالحق، وعمل بالحق، وما عداه، فإنه بضده. فهؤلاء اليهود والنصارى، ومن ضاهاهم من المشركين، يريدون أن يطفئوا نور الله، بمجرد أقوالهم، التي ليس عليها دليل أصلا."ويأبى الله إلا أن يتم نوره"لأنه النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق، لو اجتمعوا على إطفائه، أن يطفئوه، والذي أنزله، جميع نواصي العباد بيده. وقد تكفل بحفظه من كل من يريده بسوء، ولهذا قال:"ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن سعيهم لا يضر الحق شيئا. ثم بين تعالى هذا النور الذي قد تكفل بإتمامه وحفظه فقال:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى"الذي هو العلم النافع"ودين الحق"الذي هو العمل الصالح فكان ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم مشتملا على بيان الحق من الباطل، في أسماء الله،وأوصافه، وأفعاله، وفي أحكامه وأخباره، والأمر بكل مصلحة نافعة للقلوب، والأرواح، والأبدان، من إخلاص الدين لله وحده، ومحبة الله وعبادته، والأمر بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، والأعمال الصالحة، والآداب النافعة، والنهي عن كل ما يضاد ذلك ويناقضه من الأخلاق والأعمال السيئة، المضرة للقلوب والأبدان والدنيا والآخرة. فأرسله الله بالهدى ودين الحق