قوله تعالى:"ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير"أي: هو تعالى المنفرد بغيب السموات والأرض، فلا يعلم الخفايا والبواطن، والأسرار إلا هو، ومن ذلك، علم الساعة، فلا يدري أحد متى تأتي، إلا الله، فإذا جاءت وتجلت، لم تكن"إلا كلمح البصر أو هو أقرب"من ذلك فيقوم الناس من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم، وتفوت الفرص لمن يريد الإمهال،"إن الله على كل شيء قدير"فلا يستغرب على قدرته الشاملة، إحياؤه للموتى."والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون"أي: هو المنفرد بهذه النعم حيث"أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا"ولا تقدورن على شيء ثم إنه"وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة"، خص هذه الأعضاء الثلاثة، لشرفها، وفضلها، ولأنها مفتاح لكل علم، فلا يصل للعبد علم، إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة، وإلا فسائر الأعضاء، والقوى الظاهرة والباطنة، هو الذي أعطاهم إياها، وجعل ينميها فيهم، شيئا فشيئا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به، وذلك لأجل أن يشكروا الله، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح، في طاعة الله، فمن استعملها في غير ذلك، كانت حجة عليه، وقابل النعمة بأقبح المعاملة."ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون"أي: لأنهم المنتفعون بآيات الله، المتفكرون فيما جعلت آية عليه، وأما غيرهم، فإن نظرهم نظر لهو، وغفلة. ووجه الآية فيها، أن الله تعالى خلقها بخلقة تصلح للطيران، ثم سخر لها هذا الهواء اللطيف ثم أودع فيها من قوة الحركة وما قدرت به على ذلك، وذلك دليل على حكمته، وعلمه الواسع، وعنايته الربانية بجميع مخلوقاته وكمال اقتداره، تبارك الله رب العالمين.