نهي إلا من خالقهم، وأيضا، فإن خلقه للخلق، فيه من التدبير القدري الكوني، وأمره، فيه التدبير الشرعي الديني، فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة، فلم يخلق شيئا عبثا، فكذلك لا يأمر ولا ينهى، إلا بما هو عدل، وحكمة، وإحسان. فلما بين أنه الخالق المدبر، الآمر الناهي، أخبر عن عظمته وكبريائه، فقال:"الرحمن على العرش"
الذي هو أرفع المخلوقات وأعظمها، وأوسعها."استوى"استواء يليق بجلاله، ويناسب عظمته وجماله، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك."له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما"من ملك وإنسي وجني، وحيوان، وجماد، ونبات."وما تحت الثرى"أي: الأرض، فالجميع ملك لله، تعالى عبيد مدبرون مسخرون، تحت قضائه وتدبيره ليس لهم من الملك شيء، ولا يملكون لأنفسهم، نفعا ولا ضرا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا."وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر"الكلام الخفي"وأخفى"من السر، الذي في القلب، ولم ينطق به، أو السر: ما خطر على القلب"وأخفى": ما لم يخطر، يعلم تعالى أنه يخطرفي وقته، وعلى صفته. المعنى: أن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء، دقيقها، وجليها، خفيها، وظاهرها، فسواء جهرت بقولك أو أسررته، فالكل سواء، بالنسبة لعلمه تعالى. فلما قرر كماله المطلق، بعموم خلقه، وعموم أمره ونهيه، وعموم رحمته، وسعة عظمته، وعلوه على عرشه، وعموم ملكه، وعموم علمه، نتج من ذلك، أنه المستحق للعبادة، وأن عبادته هي الحق التي يوجبها الشرع، والعقل، والفطرة. وعبادة غيره باطلة، فقال:"الله لا إله إلا هو"