فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 973

"يومئذ يتبعون الداعي"وذلك حين يبعثون من قبورهم، ويقومون منها، يدعوهم الداعي إلى الحضور والاجتماع للموقف، فيتبعون مهطعين إليه، لا يلتفتون عنه، ولا يعرجون يمنة ولا يسرة. وقوله:"لا عوج له"أي: لا عوج لدعوة الداعي بل تكون دعوته حقا وصدقا، لجميع الخلق، يسمعهم جميعهم، ويصيح لهم أجمعين، فيحضرون لموقف القيامة، خاشعة أصواتهم للرحمن."فلا تسمع إلا همسا"أي: إلا وطء الأقدام، أو المخافتة سرا بتحريك الشفتين فقط، يملكهم الخشوع والسكوت، والإنصات، انتظارا لحكم الرحمن فيهم، وتعنو وجوههم أي: تذل وتخضع، فترى في ذلك الموقف العظيم، الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ساكتين منصتين، خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، عانية وجوههم، لا يدرون ماذا ينفصل كل منهم به، ولا ماذا يفعل به، قد اشتغل كل بنفسه وشأنه، عن أبيه وأخيه، وصديقه وحبيبه"لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه"، يحكم فيه الحاكم العدل الديان، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بالحرمان. والأمل بالرب الكريم، الرحمن الرحيم، أن يرى الخلائق منه، من الفضل والإحسان، والعفو والصفح والغفران، ما لا تعبر عنه الألسنة، ولا تتصوره الأفكار. ويتطلع لرحمته إذ ذاك، جميع الخلق لما يشاهدونه فيختص المؤمنون به وبرسله، بالرحمة، فإن قيل: من أين لكم هذا الأمل؟ وإن شئت قلت: من أين لكم هذا العلم بما ذكر؟ قلنا: لما نعلمه من غلبة رحمته لغضبه، ومن سعة جوده، الذي عم جميع البرايا، ومما نشاهده في أنفسنا وفي غيرنا، من النعم المتواترة في هذه الدار، وخصوصا في فضل القيامة، فإن قوله:"وخشعت الأصوات للرحمن""إلا من أذن له الرحمن"مع قوله:"الملك يومئذ الحق للرحمن"مع قوله صلى الله عليه وسلم:"إن لله مائة رحمة أنزل لعباده رحمة، بها يتراحمون ويتعاطفون، حتى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت