إن البهيمة ترفع حافرها عن ولدها، خشية أن تطأه، من الرحمة المودعة في قلبها، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة، فرحم بها العباد". مع قوله صلى الله عليه وسلم:"لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها"، فقل ما شئت عن رحمته، فإنها فوق ما تقول، وتصور فوق ما شئت، فإنها فوق ذلك، فسبحان من رحم في عدله وعقوبته، كما رحم في فضله وإحسانه ومثوبته. وتعالى من وسعت رحمته كل شيء، وعم كرمه كل حي وجل من غني عن عباده، رحيم بهم، وهم مفتقرون إليه على الدوام، في جميع أحوالهم، فلا غنى لهم عنه، طرفة عين. وقوله:"يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا"أي: لا يشفع أحد عنده من الخلق، إلا من أذن له في الشفاعة، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله، أي: شفاعته، من الأنبياء والمرسلين، وعبادة المقربين، فيمن ارتضى قوله، وهو المؤمن المخلص، فإذا اختل واحد من هذه الأمور، فلا سبيل لأحد إلى شفاعة من أحد. وينقسم الناس في ذلك الموقف قسمين: ظالمين بكفرهم فهؤلاء، لا ينالهم إلا الخيبة والحرمان، والعذاب الأليم في جهنم، وسخط الديان. والقسم الثاني: من آمن الإيمان المأمور به، وعمل صالحا، من واجب ومسنون"فلا يخاف ظلما"أي: زيادة في سيئاته"ولا هضما"أي: نقصا من حسناته، بل تغفر ذنوبه، وتطهر عيوبه، وتضاعف حسناته،"وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما".."وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا"أي: وكذلك أنزلنا هذا الكتاب، باللسان الفاضل العربي، الذي تفهمونه وتفقهونه، ولا يخفى عليكم لفظه، ولا معناه."وصرفنا فيه من الوعيد"أي: نوعناها أنواعا كثيرة، تارة بذكر أسمائه الدالة على العدل والانتقام، وتارة بذكر المثلات التي أحلها بالأمم السابقة، وأمر أن تعتبر بها الأمم اللاحقة، وتارة بذكر آثار"