"ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا"أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك، كمال قدرة ربك، وسعة رحمته، أنه مد على العباد، الظل، وذلك قبل طلوع الشمس"ثم جعلنا الشمس عليه"أي: على الظل"دليلا"، فلولا وجود الشمس، لما عرف الظل، فإن الضد يعرف بضده."ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا"فكلما ارتفعت الشمس، تقلص الظل، شيئا فشيئا، حتى يذهب بالكلية، فتوالي الظل والشمس على الخلق، الذي يشاهدونه عيانا، وما يترتب على ذلك، من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما، وتعاقب الفصول، وحصول المصالح الكثيرة، بسبب ذلك ـ من أدل دليل، على قدرة الله وعظمته، وكمال رحمته، وعنايته بعباده، وأنه وحده، المعبود المحمود، المحبوب المعظم، ذو الجلال والإكرام."وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا"أي: من رحمته بكم ولطفه، أن جعل الليل لكم بمنزلة اللباس، الذي يغشاكم، حتى تستقروا فيه، وتهدؤوا بالنوم، وتسبت حركاتكم، أي: تنقطع عند النوم. فلولا الليل، لما سكن العباد، ولا استمروا في تصرفهم، فضرهم ذلك غاية الضرر، ولو استمر أيضا الظلام لتعطلت عليهم، معايشهم، ومصالحهم، ولكنه جعل النهار نشورا ينتشرون فيه، لتجاراتهم، وأسفارهم، وأعمالهم، فيقوم بذلك، ما يقوم من المصالح."وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا"أي: هو وحد، الذي رحم عباده، وأدر عليهم رزقه، بأن أرسل الرياح مبشرات، بين يدي رحمته، وهو: المطر، فثار بها السحاب، وتألف، وصار كسفا، وألحقته، وأدرته بإذن ربها، والمتصرف فيها، ليقع استبشار العباد بالمطر، قبل نزوله، وليستعدوا له، قبل أن يفاجئهم